في ظل الطفرة المادية التي عاشتها دول المنطقة بعد اكتشاف النفط وبحبوحة العيش التي ننعم بها في مجتمعاتنا، وما استتبع ذلك من عمل الزوجين واضطرار الكثير من الأسر لوجود العمالة المنزلية للمساعدة في القيام بأعباء الأسرة من تنظيف وغسيل وكي الملابس والطبخ بل والمساعدة في مجالسة الأطفال أثناء غياب الزوجة الموظفة، أصبح وجود العاملة المنزلية جزءاً من ثقافة مجتمعية عامة لا يكاد يخلو منها بيت، ولئن كنا قد أدركنا في سالف أيامنا أن ربات المنازل وحتى الموظفات منهن لا يفرضن وجود العاملة المنزلية إلا في حالات الاضطرار، فإننا اليوم أصبحنا أسرى لقيود مجتمعية تفرض وجود العمالة المنزلية وتعتبرها من أساسات الحياة الزوجية، ومع كثرة التذمر من محدودية إنجازهن وقلة تدبيرهن إلا أنهن أصبحن في البيوت «شرا لا بد منه»، خصوصاً في ظل ممارسات بعض عاملات المنازل المخالفة لديننا وقيمنا بل وتجرد بعضهن من الإنسانية واعتدائهن البدني على الأطفال حتى وصل الأمر ببعضهن إلى قتل الكفيل أو أحد أفراد أسرته.
اليوم لا أريد الخوض في هذا الجانب من العذابات فلهذا الحديث المؤلم أوقات أخرى، لكنني أتحدث اليوم عن مشقة الحصول على عاملة منزلية بمبلغ معقول، فبالإضافة إلى الأعباء اليومية والالتزامات الشهرية التي ترهق كاهل رب الأسرة في ظل «سُعار الغلاء» الذي يُلهب قلوب المواطنين والوافدين على حد سواء، يتفاجأ الناس بأسعار غير منطقية وظالمة تفرضها مكاتب استقدام العمالة المنزلية، مستغلة احتياج الناس خصوصاً في موسم رمضان المبارك واضطرار كثير من الأسر للاستعانة بعاملات المنازل لمواكبة الأعراف الاجتماعية احتفاءً بالشهر الفضيل وعاداته الكريمة من التزاور وكثرة التواصل الأسري.
وفي ظلال هذه العذابات المتجددة وإحساساً منه بوطأة هذه الهموم على المواطن، تقدم النائب السابق الأخ كامل العوضي منذ سنوات باقتراح بقانون لإنشاء شركة عمالة منزلية حكومية تهدف إلى تخفيف العبء عن الأسر الكويتية مالياً، وحفظ حقوق العمالة المنزلية وتوفير حياة كريمة لها، كما تحفظ حقوق الكفيل الذي يدفع مبالغ مالية كبيرة ثم قد تهرب العاملة أو تتغيب بعد انتهاء فترة كفالة المكتب لها لتعمل في أماكن أخرى وتجني الأموال، ويجني الكفيل مقابل ذلك الحسرة والألم على ضياع ماله الذي طارت به «غربان بعض المكاتب»، ثم يبدأ رحلة العذاب مجددا بالبحث عن عاملة منزلية جديدة وما يستتبع ذلك من إنفاق الأموال وإهدار الوقت والجهد في استخراج التأشيرة وانتظار العاملة الجديدة مع الدعوات المتواصلة بأن تكون أفضل من سابقتها.
اقتراح الأخ كامل العوضي تمت الموافقة عليه في مجلس الأمة وصدرت لائحته القانونية منذ سنين وما زال الناس بانتظار الفرج.
ولا أعلم حقاً ما الأسباب التي تمنع تنفيذ هذا المقترح الذي يحفظ سمعة الكويت في حقوق الإنسان دولياً، ويساهم في استقرار الأسر مادياً ومعنوياً ويخفف العبء عن كاهل المواطن، وهل حقا أن هنالك متنفذين وراء تأخير انطلاق الفكرة ورؤيتها على أرض الواقع من مافيات المكاتب ومتخصصي مص أموال المواطن المغلوب على أمره؟!
آمل أن تبادر الحكومة بتفعيل هذا القانون وتدخل البهجة على الناس الذين ملوا من العيش في دوامة الهموم التي لا نهاية لها.
mh-awadi@