الناس لم تعد تقول... شكراً.
يقول المخرج الإيطالي (فريميكي خوليو) الحائز فكرة أن يأخذ جائزة الدولة التشجيعية عن أفضل فيلم، قدم فكرة أن يأخذ فيلم ما جائزة الدولة التشجيعية عن أفضل فكرة لفيلم يأخذ جائزة الدولة التشجيعية.. وكما تلاحظون أعزائي القراء فإن الفيلم عبارة عن دائرة مغلقة عصفت بلجنة التحكيم فدخلت معها الفكرة وأعطتهم الجائزة... تماماً كالأفكار المغلقة التي نعيش فيها منذ سنوات حتى عصفت بكل ما هو جميل فينا.
المهم يقول هذا المخرج في مؤتمر صحافي:
تدور أحداث الفيلم عن أن الناس لم تعد تقول شكراً... التلاميذ لا يقولون لمعلميهم إلا في حفلات التفوق، والابن لا يقولها لأمه إلا في عيدها، الوزارة لموظفيها إلا في كتاب التقاعد، والمسؤولون للوطن إلا في الأعياد الوطنية... لقد أصبحت الناس لا تشكر الله على كل هذه العطايا.
ورغم أن موضوع الفيلم لا علاقة له بفكرته، ولكن فإن هذا هو بالتحديد المقصود لأنه يوضح للجمهور كيف أن الإنسان أحياناً يحتاج إلى من يذكره بالمنطق والنقد والنقاش والاحتواء والتواضع واحترام الناس وخفض جناح الصور والارتفاع بجناح المعاني..
أنا آسف لأني خرجت خارج أسئلة المؤتمر الصحافي... ولكن كما تعلمون فإن المخرج السينمائي غارق في التفاصيل، فأنا دائماً وفي كل الأفلام كنت أركز على الكومبارس وليس البطل... أدقق في ملامحهم وأتفرس حياتهم، وهل ما إذا أدوا المشهد بطريقة تسمح لهم أن يقفوا مكان البطل في الفيلم القادم، دائماً أركز على الكومبارس لأنهم هم من يحتاجون المساعدة، عندما أحدثك عن فيلم فلن أحدثك عما أراده المخرج بل عن التفاصيل التي سقطت منه في العمل وليس في الإكسسوارات فقط.
وأكون سعيداً جداً عندما أسمع أي مخرج يشكر الكومبارس الذين عملوا معه، وأعلم جيداً أنه مخرج محترف لأنه يعلم أنه حتى الكومبارس إذا عطسوا أو كحوا أو انفجروا ضحكاً أو بكاءً فسوف تعاد لقطة ربما كان الفيلم أخذ جائزة بسببها.
إلى هنا عزيزي القارئ انتهى الاقتباس من المخرج الإيطالي الذي لن تسمع عنه في مواقع النت أو وسائل التواصل... لأنني بصراحة كسلت أن أبحث عن اقتباس لشخصية أجنبية غير معروفة لأزين بها مقالي، فقلت في نفسي ما الضير إذا زورت اقتباساً.. فالجميع مشغولون بتزوير كل شيء ولا أحد اليوم يلاحظ تزوير الإنسانية التي نفصلها على مقاس وعينا لا على حقيقتها، ونفصل الحقوق على ما نريده لا على ما تستحقه.
حيث أصبحنا نعيش في مجتمع يعشق الفضيحة ويبحث عنها ولا يذكر اسم الله الستير إلا إذا وقع فيها، أصبحنا نفرح بالفضائح ونتداولها كفرحة طفل صغير بلعبة كبيرة.
ثقافة الفرجة.. واستهلاك واجترار الصور كونت لدينا مثقفي الاقتباسات الذين يرددون ما لم يعيشوه وما لا طاقة لهم على تطبيقه.
كنت أحدق في عيونها، عيونها المليئة بالحيرة والتساؤل... عيون الإثيوبية التي تداول الجميع صورها إما اتهاماً وإما لعناً، أدقق في حلاوة روح الحياة في تعابير وجهها وهي تمسك بأطراف النافذة قبيل السقوط، أتفرس حياة عاشتها، أضع نفسي مكانها، أتمتم بكلمات ثم أستغفر الله... وألعن الكثير في سري.. ثم أستغفر الله.
إذاً بالتأكيد هي مجنونة لم يوثق أحد كيف بدأ جنونها، ولكن وجدنا من يوثق كيف انتهى.
ربما نملك أكبر تجمع للخدم على مساحة جغرافية واحدة... ربما نكون نحن الأكثر على الإطلاق، لا أملك إحصائيات ولن أبحث... ابحثوا أنتم!
الأقربون أولى بالمعروف... وبالإنسانية وبالرحمة... فكم هو سخيف من يتكلم عن الإنسانية ويكره خدمه، والحقوقي الذي يتكلم عن حقوق المرأة وينسى الخادمة، والليبرالي الذي يدافع عن أناس أحرار أصلاً وينسى المقيدين بكفلائهم، وداعية إلى الله وجهه الجمهور إلى خطاب المواطنة بدلاً من أن يأخذهم لخطاب العبودية، وأننا كلنا عبيد الله وتحت قهره ولطفه.
في أكبر تجمع لظاهرة في العالم العربي والإسلامي وهي كم الخدم الموجود على رقعة جغرافية محددة يتذكر الجميع كل التفاصيل الصغيرة... ولا يرى جبل الأكوام البشرية التي تخفض عيونها كلما خاطبت أحدهم أو تصدقت عليه أو بصقت في وجهه.
الكثيرون جداً طالبوا بمحاكمة السيدة التي صورت الخادمة واتهموها بهوس التوثيق والإساءة لسمعة الكويت، والبعض دافع عنها واتهم الخادمة بالجنون...
الجنون... ما الذي نعرفه عن الجنون؟
جن، جنة، جنان، جنوب، جناية، جنحة، جنب، جنابة، جنازة... الجيم والنون في كثير من كلمات اللغة تعني ما لا تراه ولكنك تدرك وترى آثاره.
الجنون..
انظروا حولكم... تمعنوا الواقع جيداً... هل الخدم أو العمالة المنزلية لها حقوق فعلاً؟
أليس هذا في حد ذاته سؤالاً مجنوناً في بلد الإنسانية!
لا أريد أن أطالب بحقوق أحد... لا «البدون» ولا الخدم ولا غيرهم... ولا أريد أن أتوجه بالنداء لأحد، لا مكاتب الخدم ولا الوزارة المسؤولة... في الواقع أريد أن أكتفي بما كتبت الآن...
كاتب كويتي
moh1alatwan@