خلال فترة انتخابات مجلس 2013، عقد الدكتور محمد طالب الكندري ندوة في ديوانه بمنطقة الرميثية بعنوان «حكم المحكمة الدستورية... تأويل وتحليل». وكان الدكتور عبدالكريم الكندري أحد المحاضرين الثلاثة فيها. ما يعنيني في هذا المقال ليس كلمة الكندري الرائعة في تلك الندوة، بل تعقيبه الدستوري الجميل على تعليقي واحتجاجي على ما جاء في كلمة أحد زميليه المحاضرين.
المحاضر الذي أثار استيائي كان من مقاطعي انتخابات المجلس المبطل الثاني، ولكنه جاء إلى الندوة بكلمة تحفيزية لصالح المشاركة في انتخابات 2013 من منطلق أن مقاطعة الانتخابات مرة أخرى لن تحقق المصلحة العامة للكويت بقدر ما ستحققها المشاركة. وقد مرت كلمته عبر ثلاث محطات: الأولى هي ضرورة القبول بحكم المحكمة الدستورية بشأن الصوت الواحد، وفي المحطة الثانية دعا الحضور والمواطنين إلى الابتعاد عن صيغة تخوين من سيشارك في انتخابات 2013 واستبدالها بلغة العقل واحترام الرأي والرأي الآخر. وأما المحطة الأخيرة - وهي مصدر انزعاجي - فقد حذر فيها من خطورة مقاطعة الانتخابات لأنها قد تعيد افراز تشكيلة برلمانية مقاربة للمجلس المبطل الثاني، الذي عجز عن تحقيق طموح الكويتيين، وكان ملوثاً - بنسبة ملحوظة - بميول متوافقة مع أطماع ايران في السيطرة على دول الخليج عن طريق القوى الناعمة!
فور فتح باب الأسئلة، أعلنت استنكاري لاتهامات التخوين التي صدرت من متحدث يدعو - ضمن الكلمة نفسها - إلى عدم تخوين الآخر، كما أبديت اعتراضي على اشاراته الضمنية الطائفية والعنصرية.
وبعد أن نفى المحاضر صفة الطائفية عن نفسه، مستدلاً بوجود مجلس حسيني في البيت المقابل لمسكنه، ثم مغادرته الديوان بسبب ارتباط مسبق، أبدى الدكتور عبدالكريم والمحاضر الآخر الدكتور فواز الجدعي وصاحب الديوان رفضهم للطرح الطائفي، وأكدوا أهمية التمسك بالوحدة الوطنية والسعي نحو مجتمع دستوري خال من التمييز بسبب الأصل أو الدين والسيادة فيه للقانون. وتقديرا مني على موقفهم المبدئي، انتظرت حتى نهاية الندوة لكي اشكرهم. وفي حينها، تشكلت في عقلي ثلاث صور ايجابية للدكاترة الثلاثة.
الخميس الماضي، أزال النائب محمد الدلال الصورة الايجابية - العالقة في ذهني - لزميله عبدالكريم، حين صرح بأنهما متفقان من حيث المبدأ مع مقترح زميلهما خالد الشطي، ولكنهما صوتا ضده في اجتماع لجنة الشؤون التشريعية والقانونية. فالصورة أزيلت لأن الكندري النائب صوت ضد قناعته الدستورية ولأنه لم يلتزم بنهج الكندري المرشح المعزز لمدنية الدولة.
ولكي أوضح سلبية موقف الكندري والدلال وقبح مبدأ النواب المعترضين، لا بد أن أبين أن الاقتراح بقانون الذي قدمه الشطي يهدف إلى بسط رقابة القضاء الاداري على القرارات الصادرة بشأن تراخيص دور العبادة، وهو اقتراح متوافق مع الدستور وبالأخص المادة 166 التي تكفل حق التقاضي، والمادة 35 التي تنص على أن «حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية، على الا يخل ذلك بالنظام العام أو ينافي الآداب». كما أن الاقتراح ينسجم مع وجهة الدستور نحو المزيد من ضمانات الحرية والمساواة. وكذلك تجب الاشارة إلى أن بسط رقابة القضاء - على أعمال السيادة المذكورة في القانون الرقم 20 لسنة 1981 ومنها تراخيص دور العبادة - يتسق مع العديد من المواثيق الدولية التي صادقت عليها دولة الكويت.
وحيث ان سبب تصويت الكندري والدلال - ضد قناعتهما المبدئية في اقتراح الشطي - كان بقصد توفير المواءمة لإقرار قانون بسط يد القضاء على مسائل سحب وإسقاط وفقد الجنسية، كما جاء على لسان الدلال في مؤتمره الصحافي الخميس الماضي، لذلك أدعوهما إلى تبني اقتراح الشطي بشأن دور العبادة، وإعادة تقديمه بعد الانتهاء من تصويت المجلس بالموافقة أو برفض الاقتراح الخاص بالجنسية. كما أناشد الكندري المرشح الذي شارك في ندوة «حكم المحكمة الدستورية» أن يعود بالسرعة الممكنة وبالقوة الكامنة فيه ليشارك في تعزيز مرجعية الدستور، وترسيخ ثوابت الدولة المدنية، وفرض سيادة القانون على جميع افراد المجتمع شاملا مسؤولي الحكومة المعنيين بترخيص دور العبادة... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
[email protected]