خيرالله خيرالله / بيروت تقاوم... إنها المقاومة الحقيقية!

تصغير
تكبير
مرة أخرى، كانت بيروت على عهدها. كانت وفية لرفيق الحريري الذي فداها بالدم. كان لبنان وفياً لرفيق الحريري. جاء لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، بمسيحييه ومسلميه لحضور الاحتفال بافتتاح جامع محمد الأمين وسط بيروت وليكون شاهداً على أن إرادة الحياة أقوى وأن بيروت ترفض الخضوع وترفض أن تموت. بيروت صمدت في وجه كل أنواع الميليشيات وصمدت في وجه العدو الإسرائيلي في العام 1982، وصمدت في وجه من استكمل العدوان الإسرائيلي على لبنان عندما احتل وسطها بعد انتهاء حرب صيف العام 2006. بيروت صمدت، وما تزال صامدة، في وجه من حاول قبل خمسة أشهر فقط إذلال أهلها، كل أهلها، في غزوة السابع من مايو الماضي.
لا يرمز الجامع الذي وضع رفيق الحريري الحجر الأساس له إلى شيء أكثر من أنه يرمز إلى العيش المشترك الذي عمل من أجله رفيق الحريري، وإلى الرغبة في إعادة الحياة إلى لبنان. كان مطلوباً القضاء على لبنان انطلاقاً من القضاء على بيروت. لذلك عملت الميليشيات أول ما عملت في الماضي، وما تزال تعمل، على تهديم وسط بيروت وإفراغه من الحياة. بدأ التفريق بين اللبنانيين عن طريق ضرب وسط بيروت وتهديمه حجراً حجراً، بناية بناية، كي لا يكون مكان فيه سوى للكلاب الضالة التي انتشرت وسط بيروت، في مرحلة ما قبل المباشرة في مشروع إعادة الأعمار مطلع التسعينات من القرن الماضي.
بيروت لا تنتقم. الكبار لا ينتقمون. بيروت فوق الانتقام وفوق الشماتة. بيروت لكل لبنان ولجميع اللبنانيين. لذلك، عض أهلها على الجرح وجاؤوا إلى وسط المدينة متحلين بصفة الاعتدال للاحتفال بتدشين الجامع الذي يرقد إلى جانبه رفيق الحريري. ربما كانت المرة الأولى في تاريخ لبنان الذي يحتفل فيه المسيحيون والمسلمون معاً بافتتاح جامع. ربما حصل ذلك، لأن اللبنانيين يدركون في أعماقهم معنى الحدث وأبعاده. ولعل أكثر ما يدركونه أن من بين الأسباب التي أدت إلى اغتيال رفيق الحريري تعلقه ببيروت وإعادته الحياة إلى قلبها معيداً لبنان إلى خريطة الشرق الأوسط والعالم. في نهاية المطاف قد يتبين أن رفيق الحريري عوقب بسبب بيروت ولبنان أولاً. أدرك المجرمون متأخرين أن عودة الحياة إلى بيروت تمثل بداية عودة الحياة إلى لبنان، كل لبنان. لذلك، صار مطلوباً التخلص من الرجل ومن مشروعه الذي تبين أنه لا يمكن أن يموت... بدليل جامع محمد الأمين، التحفة المعمارية التي تحولت إلى عنوان لرفيق الحريري ورسالته، لرفيق الحريري الحاضر أبداً في قلب بيروت وفي ضمير كل لبناني شريف يمتلك حداً أدنى من الوطنية والعروبة الصادقة.

من يعد إلى الماضي القريب يكتشف أن بيروت كانت مستهدفة منذ البداية. كانت مستهدفة منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب الأهلية وحروب الآخرين على أرض لبنان في العام 1975. هل صدفة أن جيش التحرير الفلسطيني انتقل في مرحلة ما من الأراضي السورية كي يحول وسط بيروت إلى خط تماس بين اللبنانيين، هل صدفة تكالب الميليشيات، كل الميليشيات، من كل الطوائف والمذاهب على تهديم بيروت ووسط المدينة تحديداً، هل صدفة أن تكون إحدى المنظمات الفلسطينية العاملة بأوامر سورية ركزت في العامين 1975 و 1976 على تفجير كل فندق من فنادق بيروت على طول الواجهة البحرية للمدينة، هل صدفة أن يكون مشروع إعادة إعمار وسط المدينة واجه كل هذه الصعوبات في مرحلة ما بعد التوصل إلى «اتفاق الطائف» وإنهاء تمرد ميشال عون وبداية عودة السلم الأهلي إلى لبنان، هل صدفة أن معظم الذين اغتيلوا في مرحلة ما بعد استشهاد رفيق الحريري، وباسل فليحان، ورفاقهما في الرابع عشر من فبراير من العام 2005 كانت لهم علاقة بطريقة أو بأخرى ببيروت وبمشروع إعادة الحياة إلى العاصمة. في مقدم هؤلاء سمير قصير الأخ والحبيب الذي أمضى أعواماً يكتب عن بيروت إلى أن صدر كتابه «تاريخ بيروت» وهو كتاب لعاشق للمدينة، هل صدفة استهداف الأخ والصديق جبران تويني الذي ساهم في انتقال «النهار» إلى وسط بيروت لتكون المؤسسة الصحافية الأولى في لبنان من معالم مشروع الانماء والإعمار، هل صدفة اغتيال جورج حاوي المناضل العربي الذي ارتبط اسمه بنضالات بيروت وعروبة المدينة وانفتاحها ودورها في الدفاع عن قضايا الحق من المحيط إلى الخليج، هل صدفة اغتيال وليد عيدو نائب بيروت الذي دافع عن المدينة وأهلها ووقف في وجه الذين أرادوا التطاول على كرامتها وكشفهم؟
بعد كل جريمة ارتكبت واستهدفت اللبنانيين الشرفاء، كان لا بدّ من التساؤل ما علاقة الضحية ببيروت وصمود بيروت، وفكرة العيش المشترك التي يرمز إليها وسط بيروت، وشاب مثل الشهيد بيار أمين الجميل تجاوز كل الحواجز وصار يشعر أنه في بيته أينما حلّ في بيروت... كان ذلك دليل عافية، كما كان دليلاً على أن بيروت عادت بيروت.
أكد افتتاح جامع محمد الأمين أن بيروت تقاوم وستستمر في المقاومة. هذه هي المقاومة الحقيقية التي تواجه إسرائيل وكل المخططات التي تخدمها والتي تصب في نشر الفكر المذهبي في كل أرجاء المنطقة بما في ذلك لبنان. كان رفيق الحريري يبتسم ابتسامة الرضا، خصوصاً عندما شاهد سعد الحريري يزيح الستارة عن اللوحة التذكارية عشية الاحتفال الكبير بافتتاح الجامع. تأكد له أن بيروت ستنتصر لأن الخير لا يمكن إلا أن ينتصر. تأكد له أن مشروعه مستمر على الرغم من كل الدماء الزكية والتضحيات التي بذلت والتي ستبذل. وتأكد له أخيراً أن لبنان بخير وسيكون بخير ما دام هناك عيش مشترك وما دام مسيحيون ومسلمون لبنانيون من كل الطوائف والمذاهب يلتقون تحت سقف جامع في وسط بيروت، قلب المدينة وقلب لبنان. بيروت تستعيد تراثها لا أكثر. تستعيده بفضل رفيق الحريري والشهداء الأبرار الذي استهدفتهم يد الغدر. إنها من الأمكنة القليلة في العالم التي يلتقي فيها أهل المدينة من كل الطوائف والطبقات تحت سقف جامع ملاصق لكنيسة تقرع أجراسها. هذا حلم رفيق الحريري يتحقق!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي