خواطر صعلوك

اللي حَضَّر العفريت... يصرفه!

تصغير
تكبير
لم يتخيل فرانسيس فوكوياما عندما نشر كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) عام 1992 أن كل المبادئ التي اعتمدها لكي يوضح أن التاريخ سيضع وسادته على فخذ أميركا، ستكون هي المبادئ نفسها التي توقظ الصين وتخدر أميركا.

ولا شك أن الصين قد كسبت الرهان في النظام العالمي الذي مضى، وأميركا خسرت الرهان رغم أنها هي صاحبة النظام والراعية الرسمية له بدعم مطلق ومساندة لا حدود لها من صندوق النصب الدولي.


خلال الربع قرن المنصرم صرفت أميركا على أطروحة نهاية التاريخ مليارات الدولارات على المجتمع المدني الذي ردد خطاب الإصلاح على الطريقة الأميركية وصرفت مليارات مثلهم على اقتصاد الحروب والأسلحة، وصرفت ملايين على مجموعة مشايخ وعمائم أثبتوا أن تجارة الدين أكثر ربحا من تجارة الكوكايين.

ثم فجأة و من دون سابق إنذار تكتشف أميركا أن الصين غزت أسواقها، وأسواق العالم من دون أن ترسل بارجات أو تؤسس جمعيات لدعم الخطاب الصيني ونظرتهم للحياة والكون، و من دون قواعد عسكرية.

لا شك أن غالبيتنا لا تعرف اسم الرئيس الصيني، ولكننا نعرف الرئيس الأميركي والمرشحين الذين خسروا أمامه وأسماء بعض أعضاء الكونغرس، وهذا هو بالتحديد ما كسبته أميركا في هذا الرهان...(النفخة الكدابة) كما يقول إخواننا المصريون،أما الصين فهي التي استفادت من الأطروحة والعولمة كما كان ينبغي لأي ذكي أن يستفيد.

وبعد ربع قرن ها هو دونالد ترامب يحمل التركة التي تضم قائمة عريضة من إدارة ملفات بشكل خاطئ، وانفتاح البلد على مصراعيه دون فائدة حقيقية، وسياسة خارجية جعلت العالم كله لا يثق بأميركا للدرجة التي جعلت أي مواطن عربي يسقط في حفرة موجودة في شارعه الخلفي أن يلعن أميركا وسياساتها وديموقراطيتها وليبراليتها.

وأصبحنا نرى سياحا صينيين في كل مكان، ليس بسبب عددهم الكبير ولكن بسبب قدرتهم على اختراق أسواق العالم المصدرة كسياح ثم كمستثمرين يعملون بصمت وذكاء، وأصبحنا لا نرى الأميركان كسياح إلا بالزي العسكري!

في ربع القرن المنصرم كانت الدولة الأكثر انفتاحا على العالم بخطابها تنغلق تدريجيا على نفسها، والدولة الأكثر غموضا في العالم بأسمائها وتاريخها تتناثر أفقيا على الخريطة.

كيف واجهت أميركا هذه الظاهرة؟

(لماذا يكرهنا الآخرون؟) كان السؤال الساذج الذي رفعه جورج بوش الابن في وجه شعبه قبل أي أحد آخر، ليبرر سوء الإدارة التي أرسى قواعدها بوش الأب، ورغم ذلك فعدد من بحث عن الإجابة أقل بكثير مما نتخيل.

نحن الجيل الذي ولد قبيل انهيار الاتحاد السوفياتي نعتقد أن أميركا دولة عظمى فعلاً، وكل أفلام هوليوود التي شاهدناها بشغف تجعلنا متأكدين من أن cia دائماً مسيطرة على الأمور، وقلوبنا التي تهفف مع كل إنزال جوي للمارينز في أي دولة بما فيها الدول الإسلامية تجعلنا نؤمن أن أميركا بجانب الخير والإنسانية دائماً، حتى لو كانت الضحية هي نحن!

ورغم كل هذه العواطف الجميلة إلا أن هذا لا يعني أن أميركا لم تأخذ على مؤخرة رأسها (قفاها) هذه المرة بحيث خسرت رهان العولمة، وخسرت معها استديوات هوليوود، وأصبحت بوليوود أكثر ربحا، ونجحت دول كثيرة في آسيا أن تقدم نموذجا اقتصاديا بديلا للنموذج الأميركي.

وهذا يعني أن التاريخ لم ينته بعد، وهناك دياليكتيك قائم تقوده الصين أو الهند أو روسيا أو ألمانيا...أو ربما يقوده الخليج على اعتبار أن من حقنا أن نحلم.

ويود كاتب هذه السطور أن يؤكد أنه لا يتمنى الشر لأحد، ويحب الخير للجميع بمن فيهم السيد ترامب والذي كلما تكلم عن الإسلام رفث في القول. ورغم ذلك يا مستر ترامب فلن أحمل ضدك أي ضغينة لأنني أعلم أنك كمواطن أميركي ورجل أعمال بارز نجح من خلال أدبيات الحلم الأميركي والذي تحول خلال ربع القرن الماضي إلى كابوس ضاغط على صدر السكان الأصليين أصحاب الشعر الأصفر والخدود الحمراء الذين قضوا على السكان الأصليين أيضاً أصحاب البشرة الحمراء والشعر الأسود، ولذلك سأعذرك في كل تصاريحك الغاضبة بشرط أن تسحب أميركا من الحفرة التي سقطت فيها بسبب توظيف شبابها في 132 قاعدة عسكرية حول العالم ما ترتب عليه إرسال البوارج بدلا من افتتاح المصانع، فعليكم تفعيل شعار «أميركا أولا»، وأميركا للأميركيين بدلاً من أميركا شرطي العالم، ثم بعد ذلك اضربوا على أنفسكم بسور بلا باب وخذوا لكم غطاء كبيرا بحجم أميركا وناموا على مشروعكم بكل ثقلكم ليستريح العالم قليلاً من الضجيج الذي ضغطتم به على إستراتيجيات الدول على مدى ربع قرن!

ولكن قبل كل ذلك عليك أن تصرف «العفريت» المعمم الذي حضره لنا من سبقوك في منطقة الخليج.

فاللهم حوالينا... ولا علينا.

كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي