قبل أسبوع تقريبا قرأت مقالاً رائعاً للدكتور عادل الصبيح بعنوان «مليار دينار سنويا بحسن التدبير»، تطرق فيه إلى ما دار في ندوة في شأن المدن الذكية نظمتها مبادرة كفاءات في وزارة الكهرباء والماء.
في مقاله، أعرب الدكتور عن اعجابه بالفريق المتميز الذي يعمل ضمن المبادرة، ثم سرد ما جاء ضمن تعقيبه على ما تم عرضه في تلك الندوة، حيث انتقد الأساليب غير الرشيدة في انتاج الكهرباء والماء بالكويت، واستغرب من عدم حرص الحكومة على الترشيد رغم التكلفة العالية لإنتاج وتوزيع الكهرباء والماء.
أقترح الصبيح أن تتحمل الحكومة تكاليف تطبيق تدابير توفير الطاقة في المباني من قبيل عزل الاسطح واستخدام مصابيح موفرة للطاقة (LED) وأجهزة تكييف عالية الكفاءة، كما نصحها بتشجيع استهلاك المياه الرمادية (مياه الصرف الصحي الخالية من المواد العضوية، وتجمع غالباً من المغاسل وأحواض الاستحمام والغسالات والمصارف الأرضية) للتقليل من استهلاك المياه الصالحة للشرب.
الجدير بالذكر أن الجهات البحثية في الكويت - وفي مقدمتها معهد الكويت للأبحاث العلمية - مليئة بالدراسات التي تؤكد ضرورة تطبيق تدابير لترشيد الكهرباء والماء في المباني، كما أنها تمتلك المعرفة اللازمة لتطبيق هذه التدابير، والعائق الرئيس أمام تطبيقها كان ولا يزال الجدوى الاقتصادية.
ما اقترحه الدكتور الصبيح للتغلب على العائق الاقتصادي - دراسة المردود الاقتصادي من منظور الحكومة التي تتحمل تكاليف دعم تعرفة الكهرباء والماء، عوضا عن منظور المستهلك للسلعتين - هو أحد الخيارات التي طرحت في تلك الدراسات. وأما الخيار الثاني فيتمثل في تسلم المواطن المستهلك لنصيبه من مبالغ دعم السلعتين وفق آلية تضمن العدالة، ثم يحاسب وفق التكلفة الفعلية للسلعتين.
ورغم كثرة الدراسات المرتبطة بالترشيد - بدأت في ثمانينات القرن الماضي - إلا أن الاسراف في تزايد مستمر على حساب أجيالنا القادمة، والسبب - كما أشار اليه الدكتور - هو افتقار الحكومة للجرأة في اتخاذ القرار الرشيد وللحزم في تنفيذه.
اتفق مع الدكتور الصبيح في كل ما جاء في مقاله في شأن الترشيد في استهلاك الكهرباء والماء، سواء على مستوى تحليل مكامن الخلل أو تحديد مسارات الإصلاح، التي قد تتطلب تشريعا يجيز للوزارة إدارة الطلب على سلعتيها، إلا أنني قد اختلف معه في صلاحية الآليات التقليدية للتحقق من التزام المالك والمقاول ومكتب الاشراف الهندسي بالمواصفات والاشتراطات الحكومية في المباني وأنظمتها الكهربائية والمائية. فمن بين الملاك من لا يستطيع التمييز بين أنواع العوازل الحرارية، ومن بين المقاولين من يسعى لمضاعفة أرباحه باستخدام مواد رخيصة أو بتأجير عمالة غير مؤهلة، ومن بين مهندسي مكاتب الاشراف الهندسي من يتفحص ويعتمد اعمال المقاول وهو في سيارته. لذلك أجد من الضروري أن تتم الاستعانة بالأنظمة الآلية لضمان جودة التنفيذ، ومن بينها العدادات الذكية.
منظومات عدادات الكهرباء المتطورة تسمح لوزارة الكهرباء - الجهة المزودة للسلعة - المتابعة الفورية للاستهلاك في كل مبنى بصورة منفردة، وبالتالي ستمكنها من كشف المباني التي فيها الاستهلاك أعلى من المقدار أو المعدل المفترض وفق مساحة البناء والأحوال الجوية المتزامنة وعدد المسجلين في ملف المبنى لدى الهيئة العامة للمعلومات المدنية. هذه المباني - التي تعاني من استهلاك عالٍ - غالباً تكون غير مطابقة للمواصفات الهندسية.
بعد تحديد المبنى المخالف، ينبغي تقديم العون المالي والفني لمالكه لمساعدته في إصلاحه، على أن يتم تحديد نسبة الدعم وفق قانون يراعي تاريخ بناء المبنى مقارنة بتاريخ اصدار القانون، بحيث ان تدعم الحكومة اصلاح البيوت التي بنيت قبل اصدار القانون، وأما ما رخص أو شيّد بعد اصدار القانون فالمالك أو المقاول أو المكتب الهندسي سيتحمل التكاليف وفق نوع المخالفة المنظورة. وهنا لابد من الاشارة إلى جزئيتين: الأولى أن تحديد المباني المخالفة ممكن أيضا من خلال مراقبة الاستهلاك السنوي للكهرباء في المبنى (Energy Use Intensity) ومقارنته بالقيم المعيارية للمباني المناظرة على المستويين المحلي والإقليمي، والجزئية الثانية أن مراقبة استهلاك المياه ممكنة من خلال منهجية سنوية مشابهة.
توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كشف المخالفات منهجية ثبت نجاحها عالميا وإقليميا ومحليا. ومن بين الأمثلة المحلية على ذلك، ما بلغني عن مشروع الربط الآلي بين جامعة الكويت ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الذي أشرف عليه الدكتور ميثم صفر رئيس قسم هندسة الكمبيوتر بالجامعة المستشار في وزارة الشؤون. تشغيل هذا النظام كشف عن العديد من حالات التناقض في بيانات الطلبة لدى الجامعة عن تلك المسجلة في الوزارة، وتباعاً تم وقف مساعدات الوزارة عنهم فضلاً عن الاجراءات اللاحقة.
انخفاض اسعار النفط تلزمنا تخفيض تكاليف الدعم للكهرباء والماء، والخيار الأولى في هذه المرحلة هو تحسين كفاءة انتاج ونقل واستهلاك السلعتين. وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات فتحت للمعنيين بالسلعتين آفاقا متعددة للترشيد لم تكن متاحة من قبل، وحيث ان هذه التكنولوجيا هي الأسرع نموا على المستوى العالمي، لذلك على وزارة الكهرباء والماء، وغيرها من الجهات الحكومية، مضاعفة جهودها لبناء وتنمية قدراتها الذاتية المرتبطة بهذه التكنولوجيا، ليس فقط من أجل تعزيز قدراتها في تحصيل الفواتير، بل في جميع أعمالها ابتداء بتسهيل اجراءاتها الإدارية، وانتهاء بحماية شبكات التحكم بأنظمتها من العابثين...
«اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه»
[email protected]