إطلالة

مقتل محسن فكري... «مثال بسيط لانتهاك الحقوق»!

تصغير
تكبير
كلما تذكرت قصة مقتل محسن فكري، تذكرت معه حال الفقراء ومعاناتهم. ففي الحقيقة لم أنسَ قصة بائع السمك المغربي الذي ألقى بنفسه داخل شاحنة لجمع وطحن النفايات لينقذ بضاعته من الخسارة، وهذا حال الفقراء الذين يسعون جاهدين للعمل في أي مهنة بسيطة طلباً للرزق الحلال والعيش بحياة كريمة عزيزة. وهناك الكثير ممن يرضون بالقليل من المال ولديهم استعداد بالعمل في أي مهنة لكي لا يمدوا أياديهم للناس عند الحاجة، وقد ذكرهم الله سبحانه في كتابه الكريم قائلاً: «للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً، وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» صدق الله العظيم «سورة البقرة».

والسؤال هنا: لماذا سيطرت مشاعر من الصدمة والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي للعالم العربي والإسلامي وعموم الشارع المغربي بعد انتشار قصة مقتل محسن فكري؟ بالتأكيد بسبب الظلم الكبير الذي وقع عليه جراء مطالبته بأبسط الحقوق في أبسط مهنة في المغرب، فالبائع لم يطلب المستحيل وإنما طلب بضاعته التي تحتوي على أسماك ولكن صادرها رجال الأمن ليلقوا بها في السيارة ثم طلبوا من سائق الشاحنة طحنها بآلة شفط النفايات تحت ذريعة أن السمك الذي كان ينوي بيعه ممنوع صيده! الأمر الذي شاط غضبه هذا التصرف فأدخله في مناوشات حامية مع رجال الأمن بعدما صمموا على مصادرة بضاعته البسيطة ورميها حتى ألقى بنفسه داخل شاحنة الطحن لأنه فقد السيطرة على نفسه، وكان أيضاً منعاً لعملية اتلاف السمك وحسرة على ضياع حصيلة يومه ولكن سرعان ما طُحن فكري مع بضاعته.


ومن هنا نريد أن نوضح حال العامل أو البائع البسيط الذي كرّس وقته من أجل لقمة العيش الشريف حتى وإن كان بالمال الزهيد وكيف يتحايل صاحب السلطة أو الرجل المتنفذ لمنعه من مزاولة مهنته البسيطة، وأمثال هؤلاء كثيرون في البلدان العربية، والسبب يرجع إلى حالة الفقر في ظل غياب الواسطة والمحسوبية التي تساعد على ضياع حقوق الناس الفقراء أو البسطاء، لذلك يتكرر مثل «الشكوى لغير الله مذلة» في أذهاننا.

الاحتجاجات التي جرت في بعض المدن المغربية على مقتل بائع السمك، هي رسالة احتجاجية لكل تاجر أو سلطة يهمها القضاء على الطبقة الكادحة من الفقراء وقد يتنافس التاجر مع الناس البسطاء بأبسط الأشياء لكسب المزيد من الأموال، فالجشع قد يقضي على كل شيء نافع للآخرين. وأبسط مثال على ذلك جثة فكري التي انتشرت عبر «فيسبوك» و«تويتر» كسرعة البرق، وهي بالتأكيد تُعبّر عن حالة الحزن والغضب العارم لظروف موته الكارثي، فمن كان يعتقد أن تصل هذه المناوشات إلى هذا الحد، حيث كان مقتله مأسوياً! ولهذا انتهى فصل المقتل إلى شعارات وهاشتاغات فيها نوع من الانتقام الشعبي على هؤلاء المسؤولين وتحميل الحكومة المغربية مسؤولية هذه الفاجعة المؤلمة والخوف من احتمال حدوث وقائع مماثلة في المستقبل.

إن هذه الحادثة تذكرنا ببساطة كيف تضرب أبسط الحقوق في العالم العربي في ظل فقدان العزة والكرامة وفي قيمة الإنسان والحق في الحياة للعيش بحرية، فظروف وملابسات حادثة فكري قريبة جداً من حادثة إحراق الشاب التونسي محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه عقب قيام شرطية بضربه ومصادرة بضاعته البسيطة. نعم، لقد آن الأوان لمحاسبة التجار وأصحاب السلطة المتنفذين الذين يقفون حجرة عثرة في طريق أعمال البسطاء والفقراء، فما حدث للمغربي والتونسي من الممكن أن تتكرر أحداثه مع الزمن إن لم نصلح حالنا وأوضاعنا المقلوبة.

وأختم مقالي بقول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من لا يرحم، لا يرحم» متفق عليه.

ولكل حادث حديث...

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي