قبل أسبوع تقريباً، تمكنت القوات السورية النظامية من محاصرة مقاتلي المعارضة في قطاع صغير من شرق مدينة حلب. وتباعاً صدرت العديد من المناشدات الرسمية من قبل الدول والمنظمات الأممية تطالب بالعمل على حماية المدنيين المحاصرين. وكان من بين ابرزها ما صدر من بان كي مون الذي عبر عن قلقه «ازاء التقارير التي تتحدث عن وقوع انتهاكات بحق عدد كبير من المدنيين في حلب»، وكذلك تصريح يان إيغلاند، مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، الذي جاء فيه إن سورية وروسيا «ستخضعان للمساءلة» عن أي أعمال وحشية يرتكبها المسلحون المنتصرون في حلب.
ولله الحمد، اتفقت الاطراف على صفقة تبادل الإجلاء بين المعارضة والنظام، بحيث يوافق النظام على إخراج المدنيين والعسكريين من الأحياء الشرقية لحلب، فيما تعمل الفصائل بالمقابل على إجلاء المحاصرين في بلدتي كفريا والفوعة في إدلب.
أما في الكويت، فقد حاول البعض - للأسف الشديد - استيراد أزمة حلب عوضاً عن العمل من أجل حماية ومساعدة المدنيين المحاصرين في سورية وفي غيرها من مناطق الصراع العسكري. فتجد على سبيل المثال، أن أحد النواب قد صرح في ندوة بعنوان «حلب تباد»، أن «الدور قادم علينا إذا أكلت سورية ولا تظنون يا أهل الخليج أنكم بعيدون، فمن رضي بقتل إخوانه في سورية يرضى بقتلنا، ومن رضي باستباحة الدم في سورية يرضى باستباحته هنا». وقال نائب آخر في الندوة نفسها، «من المعيب أن تكون الاسلحة مكدسة في مخازننا ونحن نقف كالمتفرج». وأما في الوقفة التضامنية مع سكان حلب بالقرب من السفارة الروسية، فقد جاء على لسان أحد المتحدثين من مشايخ الدين أن «المسألة ليست فقط ان تهزم حلب، أم أن المسلمين في الشام والعراق وغيره ينكسرون أمام تحالف قذر، إنما ستأتي السكين وسترون الرؤوس تتطاير هنا بالشوارع».
في مقابل هذا التصعيد الخطير والتهديد المباشر للسلم الأهلي، تحرك البعض لاحتواء الشحن الطائفي على خلفية أحداث حلب، وكان من بينهم الشيخ سالم الطويل، الذي وجه رسالة مصورة إلى أهل الكويت من السنة والشيعة. ناشد فيها الشعب قائلاً «استعيذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن الفتن إذا وقعت دمرت الجميع، لقد شاء الله عز وجل أن نعيش في هذه البلاد في سفينة واحدة، إذا أثرنا الفتن غرقنا جميعا».
هذه المبادرة رحب بها معظم المواطنين الذين سارعوا في نشرها بسرعة النار في الهشيم. وأعلن النائب خالد الشطي تأييده للتعايش السلمي بين اطياف المجتمع عبر تغريدة جاء فيها، «نداء الشيخ سالم الطويل إلى أهل الكويت من السنة والشيعة عين الحكمة والصواب».
ولكن يبدو أن مساعي الشيخ والنائب لاحتواء الفتنة الطائفية لم تعجب البعض من الطائفتين. فباشروا بالتصدي لها بحملة اعلامية ولكن بحجج مختلفة، حسب مذهب الشريحة المستهدفة. ولك أن تراجع التعليقات على تغريدة الشيخ التي بث من خلالها نداءه في 15 ديسمبر، وأيضا الردود على تغريدة النائب - في اليوم التالي - التي أعلن فيها تأييده للنداء.شريحة كبيرة من المجتمع رفضت دعوة الشيخ لأنها تضمنت قولاً صريحاً بأنه يرى بأن دينه يختلف عن دين الشيعة. وأنا أيضا ممن انزعج من قول الشيخ ولكنني لم أرفض دعوته للتعايش، لثلاثة أسباب: أولهم لأنني أؤمن بأن الوحدة الاسلامية لا تعني توحيد المعتقدات والعبادات، بل هي منهجية للتعايش السلمي - تستوعب الطوائف الاسلامية وغير الاسلامية - في العالم الاسلامي مبنية على ترك نقاط الاختلاف والعمل على تعزيز المشتركات الدينية والدنيوية. لذلك همشت الجزئية التي أزعجتني في نداء الشيخ، وعملت وسأستمر بالعمل مع جميع الكويتيين من أجل حماية النسيج الوطني.
السبب الثاني، لأنني أؤمن بإطلاق حرية الاعتقاد، كما جاء في المادة 35 من الدستور الكويتي، والمادة 18 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية. ولذلك من حق كل فرد - ومن بينهم الشيخ - أن يظهر معتقده، ما لم يتضمن ما يسلب حقوق الآخرين. والسبب الثالث، لأن مفهومي للتكفير مختلف عن مفهوم من اعترض على افصاح الشيخ عن رأيه في المذهب الجعفري. فالمرفوض هو التكفير المرتبط بجواز قتل أو انتقاص حقوق الفئة أو الشخص المكفّر، ولكن نداء الشيخ كان من أجل التعايش بين السنة والشيعة. وأما الاعتقاد بأن الآخر ليس على دين الحق، فهذه صفة مشتركة بين جميع الاديان والمذاهب. فمثلا نحن المسلمون متفقون على صحة الحديث النبوي القائل «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، في حين أن طوائفنا غير متفقة في تحديد إمام زماننا. فالاختلاف جوهري لأنه مرتبط بمصير المسلم في يوم القيامة كما جاء في الحديث وأيضا في الآية 71 من سورة الاسراء «يوم ندعو كل أناس بإمامهم»، ولكنه لا يجوز أن يكون مانعا عن التعايش والتحاور والتناصح بين المسلمين بل بين جميع الناس باختلاف معتقداتهم... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]