لا أعتقد أن مستشفى جابر ولا كل المباني الفاخرة ستحل أزمة الرعاية الصحية، إذ لابد من تغيير منظومة تقديم الخدمة الصحية بأسرها.
إن تنمية القطاع الصحي لا تعني بالضرورة زيادة المباني وسهولة الوصول إليها بقدر ما تعني التركيز على نوعية الخدمات المقدمة وتحسين جودتها والتي تتحقق من خلال بعدين أساسيين، نوعية الخدمات الصحية وتأهيل الطاقات البشرية وتدريبها.
ومن الناحية الأهم الحرص على وضوح استراتيجية شاملة لإعادة صياغة نظام تقديم الرعاية الصحية (من خلال مشروع الهيئة العامة للصحة) بما يكفل ديمومة واستمرار تقديمها في مواجهة تقلبات الميزانية المرصودة وأسعار النفط التي ما فتئت تتأرجح مع الأزمات الاقتصادية التي يمر بها العالم.
معالي الوزير ... تمر الخدمة الصحية في فترة حرجة تحتاج لدراسة مستفيضة ولكن سريعة لتشخيص الاختلالات المهنية والمالية والادارية التي تعتري أداء المؤسسات الصحية في البلاد، وسنسرد باختصار بعض هذه المشكلات ثم مشروع التغلب عليها، فعلى الصعيد المالي هناك تضخم في ميزانية الرواتب مع زيادة نسبة الإداريين عن الفنيين وعدم وجود موارد تمويل رديفة لميزانية الدولة وتصاعد كبير في كلفة العلاج في الخارج وارتفاع مطرد في كلفة الأدوية والأجهزة وكبار الاستشاريين بالاضافة الى مجانية الخدمة وسوء الاستخدام والهدر.
أما على الصعيد المهني فنرصد عدم الالتزام بقواعد مراجعة الأداء الفني والمهني وبروتوكولات الممارسة الطبية وسلامة المرضى وتعثر برامج الاعتراف الدولي في المستشفيات الذي هو الركن الاساسي للنهوض بالخدمة الصحية لمواكبة التطور الطبي والمهني الحقيقي في الدول المتقدمة الذي يعتمد على إتقان سياسات التشغيل قبل الدواء والجهاز والطبيب.
وعلى الصعيد الإداري فنواجه تضخم الكادر والهيكل الاداري ونقاوم نظم الادارة الصحية وتباطؤ تطبيق نظم المعلومات الحديثة والمميكنة بالاضافة الى تعقيد الاجراءات الادارية بعمومها.
أما على صعيد إدارة القطاع الخاص فلا شك أن تقادم وتهالك مباني إدارة القطاع الأهلي أحد أهم المعوقات للأداء، كذلك قصور التشريعات والحاجة الملحة لتحديثها ووضع خطة محددة تحل معضلة إصدار تراخيص المستشفيات والمراكز والعيادات والاطباء والتمريض تلك المشاكل التي يئن منها القطاع الخاص بأكمله.
مما سبق يتضح أن هناك معضلة قادمة لتمويل ميزانية الخدمة الصحية وتعثر وصعوبة بالغة في الارتقاء بالأداء المهني والطبي في ظل نظام تقديم الخدمة الحالي (الدفع المباشرمن الدولة) برغم من الزيادة الحالية الهائلة في الميزانية... بالإضافة إلى تضخم الهيكل الإداري وقصور نظم المعلومات وتعقيد الاجراءات الادارية.
معالي الوزير... هناك اتجاهان للتعامل مع هذه المعطيات أولاً أن تستمر بالطريقة التقليدية الحالية في الاتفاق المباشر وتصريف العاجل من الأمور وهي ما أثبتت قصورها وفشلها على مر عقود من الزمن، وثانيها ان تنحى منحى آخر وهو اعادة النظر في النظام الصحي او منظومة تقديم الرعاية الصحية برمتها وإعادة طرح هيئة الضمان الصحي او الهيئة العامة للصحة والتي بمقتضاها يُخلق كيان مستقل يسعى لتقديم الخدمة العلاجية في كل منطقة صحية ويكون للمواطن تأمين فيه وله حرية الاختيار لأي منطقة وتتم ادارة المستشفى بصلاحيات واسعة مستقلة على نمط القطاع الخاص الامر الذي يخلق التنافسية بين المناطق الصحية لاستقطاب المواطنين (إنك تستطيع أن تبني أحدث مركز طبي بالقطاع الخاص بمليوني دينار، بينما نفسه يبنيه القطاع الحكومي بعشرين مليون دينار)
ومما يعزز ضرورة التفرغ لهذا المشروع الحيوى وإنجازه هو قرب الانتهاء من مستشفيات الضمان الصحى الثلاثة التى ستنقل ما يقارب من مليون وسبعمئة ألف من العمالة الوافدة، الأمر الذى يؤدي الى تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية الحالية وبالتالى سهولة تطبيق نظام الهيئة العامة للصحة .
معالى الوزير...
لقد آن الاوان لوضع استراتيجية صحية شاملة فى البلاد ترتكز أساساً على إعادة هندسة نظم تقديم الرعاية الصحية ونقلها من نظام الإنفاق المباشر الحالي إلى إنشاء الهيئة العامة للصحة ( استقلالية أوسع للمناطق الصحية لادارة مماثلة لادارة القطاع الخاص).
آخذين بعين الاعتبار منع الهدر والازدواجية فى تقديم الخدمة الحاصلة الآن فى مستشفيات النفط والعسكرى والجامعة والتأمينات وغيرها ... بغير ذلك سنظل ندور فى حلقتنا المفرغة.
هذه باختصار بعض الملاحظات وللحديث بقية وسلسلة نسعى من خلالها على تسليط الضوء على الرعاية الصحية فى البلاد و مشكلاتها... ونسأل الله لك التوفيق فى هذه المهمة .
* وزير الصحة السابق