خواطر صعلوك

هوس الوعظ... والتجميل!

تصغير
تكبير
بسبب حالة التورم المعرفي التي أصابتك عزيزي القارئ من جراء كمية المقالات التي كُتبت قبل الانتخابات كي تقول لك كيف عليك أن تختار، ثم بعد ذلك كمية المقالات التي كُتبت بعد الانتخابات للسادة المُشرعين كي تخبرهم كيف عليهم أن يشرعوا، فاسمح لي أن آخذك اليوم في رحلة عبر الخيال، أو الواقع... فلا يهم كثيراً طالما أنك ستنسى المقال بمجرد الانتهاء من قراءته.

بالأمس شاهدت إحدى زميلات الدراسة في أحد المجمعات، ولكني لم أجرؤ على أن أبادرها بالسلام، رغم أني حاصل على جائزة (نوبل) في السلام على كل زملاء الدراسة السابقين (المحاربين القدامى)، ولكني فضلت أن أتوارى عن أنظارها وأبتعد.


ولعلك عزيزي القارئ قد تتساءل عن سبب هذا السلوك الذي لا يصدر إلا من خسيس وعد بريئة بالزواج ثم أخلف وعده، وقبل أن يأخذك الخيال لمناطق لا ينبغي أن يتواجد فيها قارئ محترم مثلك أو كاتب سعيد مثلي (انظر الصورة أعلى المقال).. فسأخبرك بالحقيقة.

إنني أعرفها جيداً وقد كانت فتاة بسيطة تملؤها الابتسامة واختيارات لائقة في سلوك الحياة، ولكنها كانت دائماً تشكو أنها تعاني فراغاً في نفسها، ولا تدري ماذا ستفعل بعد التخرج، وكنت دائماً اتهمها بالمبالغة وكنت أتنبأ لها أنها ستكون أماً رائعة بسبب خفة دمها.

لطالما كنت أعتقد أن خفة الدم والروح أهم كثيراً من أي شيء آخر.

ثم انتهت فترة الدراسة، وسقطت من «لستة» هاتفي جميع أرقام من عرفتهم... وأحياناً رقم هاتفي هو من سقط من «لستتهم»، وكأننا قررنا أن نفسح مجالاً للقدر كي ينسق لنا لقاءاتنا في المستقبل.

وعندما شاهدتها (قدراً) وجدتها قد ملأت فراغ نفسها بـ«البوتكس» و«الكولاجين» و«السليكون»... إنها تتفجر بالسيلكون من كل مكان!! وصبغت شعرها بلون استفزازي وكسرت وحفت عظام أنفها كي لا تبدو تلك الفتاة البسيطة والتي تعاني الفراغ...

نعم عزيزي القارئ لقد كنت أراقبها من بعيد، في الواقع وكي أكون دقيقاً لقد كان جميع من حولنا يراقبها... السيدة الفاتنة كما تعتقد هي... والسيدة المثيرة كما نعتقد جميعاً.

في النهاية هذا قرارها ولا دخل لأمثالي ومن هم على شاكلتي باختيارها، ولكن هذا لا ينفي أنها سقطت وأمثالها كثر في (هوس التجميل) الذي تقدمه عيادات الجمال الاصطناعي تماماً مثلما سقطت أنا وأمثالي كثر في (هوس الوعظ) الذي تعلمناه من قراءة الكتب.

فها هي الحياة ترسم المسارات تحت نهر خفي يجري بمهل، فتنتج مهووسين بأشكال مختلفة.

وهكذا الأمر إذًا... هوس الجسد يجعلك تفقد الاهتمام بكل شيء حولك عدا نفسك، وهوس الوعظ يجعلك تفقد الاهتمام بكل شيء فيك عدا الأشياء حولك!!

وأعتقد أنه ينبغي علي هنا أن أشير بيد واحدة إلى أن السيدة كانت جميلة حسب المعايير التي تقدمها استديوهات هوليوود، وبدت صورتها جذابة حسب مواصفات معامل بوليوود، ولكنني شعرت أن روحها أصبحت أكثر فراغاً وخواءً من ذي قبل، وأحسست أن دمها أثقل من جبال الأوليمب... حتى ابتسامتها باتت مصطنعة!

وأجد أنه من الضروري هنا أن أنبه إلى أمرين مهمين الأول سأشير إليه بيد واحدة وهو أن السيدة كانت جميلة وفاتنة ومثيرة فعلاً، ولكن حسب أذواقنا الممسوخة!

والثاني وهو ما سأشير إليه بكلتا اليدين وهو أن رأيي هذا لا يمت بصلة بمفاهيم مثل الصح والخطأ أو الحلال والحرام، ولكنني فقط أتساءل بلطف وأدب عن ماهية هذه القوة التي حولت سيدة كان يفترض بها أن تكون أماً مثالية إلى فتاة أصبح واقعها كطفلة بهلوانية جعلت من وجهها ورقة تسرح وتمرح بها الألوان.

ما هذه القوة التي حولت الجسد لمهرجان؟

هل هي أذواقنا أم الإعلانات، الشركات العابرة للقارات والثقافات والأذواق؟ صراع الإنسان والشيطان أم هي إعادة إنتاج واقعنا المزيف؟

أنا عن نفسي لا أدري... ولذلك سأفسح المجال لخيال القارئ!!

أو أفسح المجال للسادة المُشرعين الجدد كي يلتفتوا لفكرة العائد والتكلفة من اختيارات من هذا النوع.

****

كبسولة:

يقول مولانا جلال الدين الرومي:

كل من افترق عمن يتحدثون لغته فسيظل بلا لسان وإن كان لديه ألف صوت.

* كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي