استكمالاً للسؤال المطروح في مقالنا السابق عن مدى إمكانية جواز مشاركة أبناء أسرة الحكم وترشحهم في أي انتخابات برلمانية مقبلة خدمة للعمل السياسي والتشريعي في الوطن، وهل الدستور يصطدم برغباتهم الشخصية والوطنية... لقد لوحظ أن الدستور الكويتي أصبح مانعاً لكل شخص من الأسرة الحاكمة يرغب بترشيح نفسه في الانتخابات البرلمانية، حتى وإن كانت لديه ميول جامحة للمشاركة كأحد أعضاء مجلس الأمة، ولديه أدوات دستورية يستطيع استخدامها في الرقابة والمحاسبة والتشريع تحت قبة البرلمان، وفق اختصاصاته التي كفلها الدستور.
ولكن كما نرى، أن أحكام المذكرة التفسيرية للدستور قد حظرت ترشح أبناء الأسرة لانتخابات عضوية مجلس الأمة، وهذا الحظر يسري على جميع أبناء الأسرة الحاكمة. وبالتالي طبقاً لما جاء في المذكرة التفسيرية للدستور، الذي قرر المجلس التأسيسي مع لجنة إعداد الدستور يجب أن تترجم على أرض الواقع من خلال عدم جوازية ترشيح أنفسهم في دائرة الانتخابات، نأياً بأبناء الأسرة عن أي تجريح سياسي قد يصدر من المعارك الانتخابية أو تحت قبة البرلمان.
فأعضاء الأسرة الحاكمة لهم حق الانتخابات بينما ليس لهم الحق في الترشح، وقد عشنا تجربة مماثلة في الانتخابات الماضية من خلال ترشح أحد أبناء الأسرة، وهو الشيخ مالك حمود الصباح، الذي تنازل عن المزايا والمخصصات التي يمتلكها من أجل الترشح وقد نذر نفسه لخدمة شعب الكويت رافضاً أي منصب وزاري قد يعرض عليه، قائلاً «لن يثنيني عن هذه الانتخابات إلا الموت»!
ولكنه تفاجأ بشطب اسمه من انتخابات مجلس 2016 عن الدائرة الخامسة. ورغم مناورات الطعن في شطبه أمام محكمة الاستئناف التي قضت بتأييد شطبه من قوائم المترشحين، جاء حكم محكمة التمييز ليؤكد على حكم الاستئناف أي رفض طلبه. فمحكمة التمييز وهي أعلى محكمة في القضاء العادي المختصة بنظر الطعون، قد رفضت أي محاولات قانونية قدمها مالك الصباح وأيدت مذكرة وزارة الداخلية رغم تظلمه من الحكم الاستئنافي.
وكما قال الخبير الدستوري د. عثمان عبدالملك - رحمه الله - في كتابه الشهير «النظام السياسي والقانوني في الكويت» إنه يشترط في عضو مجلس الأمة ألا يكون من أعضاء الأسرة الحاكمة وفق المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي، حيث إنه لا يرى مبرراً لهذا الاستثناء، خصوصاً إذا علمنا أن أعضاء الأسرة الحاكمة يحق لهم أن يكونوا «وزراء» في الحكومة، ويمتنع على عضو البيت المالك أن يكون عضواً معيناً بحكم كونه وزيراً، في حين أن هناك دساتير دفعت بهذا الاتجاه وتنص صراحة على عدم جواز أن يتولى الوزارة أحد أعضاء البيت المالك، فالمشرع هنا قد قرر بإعطاء مزايا لأبناء الأسرة ولم تقتصر على المخصصات المالية فقط، وإنما جعلهم يحظون بمزايا عديدة، فضلاً عن قانون الجوازات الذي يمنح لهم جوازاً خاصاً.
كما نرى أن ترشح أبناء الأسرة الحاكمة يخل بفكرة البيعة التي نص عليها الدستور ببيعة أبناء الشعب لأسرة الحكم، وهناك رأي آخر يقول إن مسألة ترشح أبناء الأسرة لأي انتخابات تشريعية قد تمنحهم الأفضلية في الاختيار وسهولة الوصول لمقاعد عضوية المجلس بسبب انتمائهم لأسرة الحكم التي يكن لهم الشعب كل الثقة والتقدير والاحترام، وبالتالي سيؤثر ذلك على حرية الاختيار وسيكون الناخب ملزماً بالتصويت لصالحهم كونه يخلق مانعاً أدبياً لدى الناخب.
لذا نلاحظ هنا أن غالبية الخبراء الدستوريين والأحكام الأخيرة في الكويت أكدوا على إلزامية المذكرة التفسيرية للدستور لما أيضاً للمجلس التأسيسي دور كبير وهو أول المجالس التشريعية في البلاد التي قامت بإعداد الدستور من خلال جلسات برلمانية ساخنة لمناقشة أحكام المذكرة التفسيرية للتصويت عليها بشكل منفصل عن مواد الدستور الكويتي وهي بالطبع ذات أغلبية خاصة سبق لها التصويت على مواد الدستور أيضاً على اعتبار «أغلبية ثلثي الأعضاء» الذي يتألف منهم المجلس التأسيسي العريق.
ومن هنا نستخلص القول، إن هناك حقوقاً مكتسبة لمن يتصل نسبه بأبناء الأسرة الحاكمة وزوال تلك الحقوق يعني إنهاء الانتساب لهذه الأسرة، ولا يمكن التخلص من هذه الميزات الخاصة إلا بتعديل أحكام الدستور أو ثبوت عدم الانتساب للأسرة الحاكمة في حال الرغبة بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية وهذا محال ولم يحدث... فالقضاء الكويتي قال كلمته وفق أحكام قررها المجلس التأسيسي وانتهى منها بالإجماع منذ زمن بعيد، وعليه فقد أغلق أبواب الجدل...
عزيزي القارئ:
في المقال المقبل، بإذن الله، سنتحدث عن مدى قبول المرشح المنتخب مسألة التوزير، وهل هي فكرة ناجحة ان أثبتت فشلها أمام الوعود الانتخابية؟
ولكل حادث حديث...
[email protected]