رؤية ورأي

مثلي لا ينتخب مثله

تصغير
تكبير
منذ عشرات السنين، والكويتيون الحسينيون حريصون على انتخاب المرشح الأقرب إلى سيد الشهداء عليه السلام. فتجدهم يلتفّون حول من يتحدى قوى الفساد - في ندواته الانتخابية - منادياً «هيهات منا الذلة»، وينذرون أصواتهم الانتخابية وطاقاتهم للسيد الذي يعتبرونه القوي الأمين، بل ويقبّلون جبهته قربة إلى الله ومحبة في النبي وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام، ويحملونه على اكتافهم - بعد إعلان فوزه - لأنه سيذود عن الحق وسيتصدى للباطل وسينتزع الحقوق وسيمنع المظالم. كيف لا وهو تربية أسرة حسينية في بيت حسيني وعند منبر حسيني، فسمع مراراً قول الإمام الحسين «وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي».

ورغم التشابه الملفت بين بعض ما وصل إلينا من أقوال وخطب ورسائل السبط الشهيد، وبين الشعارات والخطابات الانتخابية التي يطلقها المرشحون الحسينيون، إلا أننا نلاحظ وجود تباين تارة وتناقض تارة أخرى، بين مواقف وسيرة طرفي المقارنة. والمفارقات بين الطرفين كثيرة جدا و«ما تشيلها البعارين»، ولكنني سأكتفي بذكر اثنتين منها:


الامام الحسين ثبت على موقفه الاصلاحي كالجبل، ولم يتردد قيد انملة عندما خيروه بين خيرات الدنيا، إن بايع يزيد، وبين البطش والقتل. في المقابل معظم نوابنا الحسينيين، سرعان ما انبطحوا لإغراءات قوى الفساد وأوامرها، بل كانوا يتسترون على المفاسد التي يطّلعون عليها - في لجان التحقيق مثلاً - أو يشغلون بها عبر تصريحات عنترية، تليها فترة زهايمر تنتهي مع بداية فترة الانتخابات اللاحقة. بل إنهم كانوا يبررون للحكومة مواقفها الخاطئة في العديد من ملفاتها الداخلية والخارجية.

فعلى المستوى المحلي الأمثلة عديدة، وكان آخرها الدور المشبوه لبعض النواب الذين شاركوا في خلق أولوية لعرض وثيقة الاصلاح الاقتصادي، ومن ثم اقرارها بغتة على حين غرة، رغم خلوها من الضوابط التي تقيّد مواقع الاصلاح وتنظم نطاقه. وعندما بدأت الحكومة - تطبيق برنامجها للإصلاح الاقتصادي - برفع الدعم عن استهلاك البنزين، تنصلوا من دورهم في زيادة الاسعار.

وأما على الصعيد الخارجي، فأقرب حادثة كانت عندما تجاهل النواب الحسينيون والتيارات السياسية الحسينية، بقاء أعضاء الوفد الكويتي في مقاعدهم واستماعهم إلى كلمة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. إلى أي حسين ينتسبون هؤلاء؟ لا بد أن حسينهم ليس الحسين الذي استشهد في كربلاء من أجل الاصلاح في أمة جده.

والتناقض الآخر بين إمامنا الحسين ومعظم نوابنا الحسينيين، هو في ما لحق بأهل بيتهم وأصحابهم. فكلنا نعلم بأن أهل بيت ريحانة المصطفى وأصحابه، منع عنهم الماء ثم استشهدوا وقطعت رؤوسهم وداست الخيول على أجسادهم، وبعدها نهبت وحرقت خيامهم وسبيت الهاشميات والأطفال.

وأما أقارب النواب الحسينيون والمقربون منهم، فأصبح معدنياً أو غازياً ماؤهم، وتضخمت رؤوس أموالهم، وتضاعفت أملاكهم، وتعددت استثماراتهم، وانتعشت مراكزهم الحزبية ومؤسساتهم، وباتت المناصب القيادية من نصيبهم، ودخلت الخيول إلى مزارعهم و«جواخيرهم»، ومتى ما مرضت أجسادهم سبيت إلى الدول الاستعمارية على حساب خزينة بلادهم، وعلى مقاعد درجة رجال الاعمال والدرجة الأولى حجوزاتهم... وما زالوا يرددون «يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً» في دواوينهم.

أناشدك أيها الناخب الكويتي، أن تقتدي بسيد شباب أهل الجنة في شجاعته وإصراره على الاصلاح والتزامه محاربة الفساد عندما طالبه الوليد بن عتبة - والي المدينة بمبايعة يزيد، حيث أجابه قائلا: «مثلي لا يبايع مثله». لا تخسر صوتك في مرشح لا يؤمن بأن الاصلاح ممكن أن يبدأ من نائب واحد، ولا تهدر صوتك في نائب يؤكد أن قوى الفساد أكبر من البرلمان، ولا تسلم صوتك بيد برلماني يبرر تقاعسه عن مهامه الدستورية بحجج ظنية كحجة أنه يؤدي تكليفه الشرعي.

نعم من واجبه أن يلتزم تكليفه الشرعي ولكن ليس على حساب الوطن. ولا تتنازل عن مستقبل ابنائك من أجل نائب فشل مراراً في تحقيق وعوده، ولو كان تقياً ورعاً، واستبدله بتقي آخر ولكن كفؤاً قادراً على الاصلاح. ولا تلتزم مع النائب الفاسد، كالذي يشترى الاصوات بالمال أو الخدمات الحكومية ومنها المناصب والعلاج في الخارج، تم تشتكي من تردي أوضاع البلد. ولا تكن كالرجل الذي سلب فاطمة بنت الحسين - بعد استشهاد أبيها - وهو يبكي، فسألته: لماذا تسلبني إذن؟ فأجابها: أخاف أن يأخذه غيري.

وإن أردت أن تقتدي بالحسين، مزق الصورة المزيفة التي رسمها لك الإعلام الفاسد والكوادر الحزبية، وتعرف بنفسك على المرشحين وقيم برامجهم و«تاريخهم»... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي