خواطر صعلوك

المثقفون... كجزء من المشكلة!

تصغير
تكبير
أصبحت وأصدقائي لا نتابع الأخبار السياسية أو التوصيات الحكومية، واتفقنا أن نتكلم في الأمور الثقافية فقط، معتقدين أننا بذلك نقوم بدور المثقف فعلاً! ذلك المثقف الذي يتكلم في كل شيء إلا واقعه، حيث نسيطر على عالم الخطاب، ونتلاشى في عالم الحقائق، ونستخدم مصطلحات لا يفهما العامة لنعتقد أننا النخبة، وقد اتخذنا هذا المنهج (القشري) بعد أن لاحظنا أننا عندما نقرأ الدستور نشعر أننا ممتنون لعدالة السماء لأن الحياة جميلة، وعندما نسمع تصاريح الحكومة نشعر أننا ممتنون لنفس عدالة السماء كوننا ما زلنا أحياء.

وذات مساء وفي ليلة صيفية مليئة بالغبار الذي يبقى في هذا الوطن ونحن الذين ننقشع، دار هذا النقاش بيننا وكان على الشكل التالي:


قال صديقي الصوفي الميت منذ فترة طويلة، ولكنه يمارس طقوس الأحياء بيننا:

إن الشياطين والجن هم سبب الفساد وعدم نجاح خطط التنمية التي كان من المفترض بها أن توجد لنا مصادر أخرى للدخل، فالشياطين والجن يلبسون الناس ويجعلونهم يرتكبون الحماقات ولذلك فنحن أمة ملبوسة، ونحتاج من يبخرنا!

فضرب صديقي المعارض والمتضخم إيدولوجيا طاولة المقهى التي نجلس حولها بطريقة جعلت من حولنا يلتفت مستغرباً، وأدت إلى سقوط الماء على الأرض، ثم قال:

أعتقد أن المشكلة ليست في الجني الذي يلبس الناس، ولكن في الإنسي الذي يلبس (البشت) ويضحك على الناس.

وعندها نظر جميع من في المقهى إلى صديقنا الحكومي المتضخم رصيدياً لنتابع ردة فعله على هذا الكلام الذي يمس دائرة اهتمامه، فإذ به ينظر إلى خيوط الماء الزاحفة على الأرض بعد سقوطها من الطاولة ويعلق بصوت أقرب للهمس قائلا:

لقد أسقطت (ماي) الحكومة المدعوم على الأرض!

وعندما احتدم النقاش بين الثلاثة حاول صديقي الليبرالي ذو العقل المنفتح والمتضخم فلسفياً أن يخفف من وطأة النقاش فقال (بما أن المشكلة في لبس الجن ولبس الإنس فلماذا لا ننزع ملابسنا ونتحرر من هذه العادات والتقاليد البالية؟)، ثم نزع ملابسه وركض عارياً في الشارع وأصبح يردد مقولات فولتير وستيوارت ميل في الحرية والتحرر والاختلاط.

هنا وقف صديقي السلفي وأصدر صوتاً من فمه لا يليق بلحيته لدرجة أننا اعتقدنا أن مساً أصابه ثم قال لنا جميعاً:

إن كل مشاكلنا سببها عدم اتباعنا قاعدتين أساسيتين في الحياة: أولهما كل الحلول موجودة في كتب السلف، وثانيهماً إذا لم تكن جميع الحلول موجودة في كتب السلف، فارجع واقرأ القاعدة الأولى.

وفي هذه الأثناء كان صديقنا الوجودي المتضخم بدنياً يقرأ كتابا لجون بول سارتر وعندما طلبنا منه أن يدلي بدلوه في هذا النقاش أشار لنا بأصابعه (...) ثم أردف قائلاً (لا أبالي)!

وفجأة ومن دون مقدمات، قام أحد أصدقائنا بتغيير مجرى الحديث إلى موضوع آخر، وقد عللنا ذلك لسبب أنه لا يملك رؤية لما يحدث حوله، وكنا دائماً نردد ان الله أعطاه بسطة في الجسم ومنعه بسطة في العلم، ورغم ذلك فقد سأل سؤالاً يدل على أنه أحياناً يرزقه الله بسطة في البصيرة والملاحظة، فقال وقد بدى عليه الاهتمام:

لماذا لم نعد نشاهد معظم الوزارء في التلفزيون الحكومي، وأصبحنا لا نرى إلا صورهم في الإعلام الإلكتروني؟! ثم اعتدل من جلسته وأضاف ضاحكاً (يبدو أن لديهم أوامر بألا يظهروا إلا إذا كانوا يحملون أخباراً سارة للشعب.. ولذلك فنحن لم نعد نرى أحداً منهم إلى الآن).

وهنا وقف الخلق جميعاً في المقهى ينظرون كيف بنى قواعد المجد وحده ثم أمطرنا المكان بالتصفيق وأخذناه في أحضاننا على طريقة وكالة «ناسا» عندما تطلق صاروخاً لأنقاذ الكوكب وينجح الأمر.

ثم عدنا جميعاً إلى منازلنا معتقدين أننا كمثقفين جزء من الحل.. ولسنا جزءاً من المشكلة!!

كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي