المستجدات الإقليمية والعالمية الأخيرة، تؤكد أننا ما زلنا مستمرين في حفر خنادقنا الإعلامية، ومصرين على هدم ما تبقى من الجسور التي تربطنا بالآخر، لكي نتقوقع أكثر فأكثر في تكتلات تحت عنوان وحدة البيوت الفئوية، من خلال شحن النفوس ضد المقابل من الإخوة والأعداء. بل ان قدراتنا وخبراتنا في ما نحن ماضون فيه من تشرذم، تضاعفت وتطورت. فتجد المثقف والكاتب والأكاديمي وغيرهم من أصحاب الرأي يتنافسون من أجل التميز والإبداع في عرضهم للأخبار وفق تحليل يتوافق مع محور اعلامي اقليمي محدد. فهناك من لا يتورع عن اختلاق أحداث أو إنكار حقائق إذا كان في ذلك دعم لذات المحور الاعلامي. هذه المسيرة الاعلامية نحو الهاوية يجب أن تتوقف بأقرب صورة ممكنة.
لا شك بأن أفراد مجتمعنا يلعبون دوراً محورياً كمستقبلين ومرسلين للأنباء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك فان التصدي للخطر الاعلامي يتطلب تقويم السلوك الاعلامي المجتمعي ليتوافق مع المهنية الإعلامية. دعوتي الاصلاحية هذه ليست موجهة إلى أتباع محور إعلامي معين، بل إلى جميع المواطنين وإلى كل الحريصين على نسيجنا المجتمعي، فنحن جميعا مراسلون في الالفية الثالثة.
ومن أجل توضيح أصل المشكلة، سأستعين بتفاعلاتنا مع محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا، كأمثلة حديثة وبارزة. فلو فرزنا مواقفنا ككويتيين من المحاولة الانقلابية التركية، لوجدنا أنها مرتبطة - في الدرجة الأولى - برأينا في حزب «الاخوان المسلمين»، باستثناء نخبة معدودة تميزت بالطرح الموضوعي المحايد. فالمتعلقون بالحزب فرحون بفشل المحاولة وفخورون بظهور شاهد جديد على شعبية رجب طيب أردوغان، وهم سعداء بتجديد «البيعة» له. وفي المقابل، فان خصومهم يتهمون الرئيس التركي بافتعال محاولة انقلاب صورية من أجل تعزيز نفوذه والقضاء على معارضيه في الجيش والقضاء.
لو أن هذه المحاولة وقعت قبل اندلاع الحرب السورية، لقرأنا العديد من المقالات حول نقاط التشابه بين الثورة الاسلامية في ايران وبين الثورة الاسلامية في تركيا التي اسقطت انقلاب العسكر. فالسيد الخميني - رحمه الله - والرئيس أردوغان يتمتعان بالكاريزما الجماهيرية. فكل منهما استعان بوسيلة تواصل بسيطة غير رسمية لإرسال خطابه السياسي وارشاداته إلى الجمهور. فالأول استعانة بأشرطة الرسائل الصوتية عبر مسجلات صوتية منتشرة بين مؤيديه، واستخدم الثاني تطبيق «فيس تايم» للمراسلة عبر الهواتف الذكية المتوافرة لدى مناصريه. وفي الثورتين تغلب الشعب بشجاعته على الجيش النظامي المدجج بالأسلحة الثقيلة. وأيضا تصدت الثورتان للمعارضين في السلك العسكري والسلك القضائي. ولكن بسبب الاقتتال الجاري في سورية اصبحت هذه المقاربة مزعجة للطرفين، في دليل آخر على عدم موضوعيتنا في تحليل الاحداث.
في مثال آخر، البعض منا استشهد بمقال خبري نشر في أبريل الماضي في صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية بعنوان «الرئيس التركي يوظف اشاعة انقلاب عسكري لتوسيع سلطاته وقمع معارضيه»، للاستدلال على أن الإعداد للانقلاب المفبرك بدأ قبل أشهر. أنا لست بصدد تحديد رأيي في الانقلاب الفاشل، ولكن توظيف أردوغان المحاولة الانقلابية لتوسيع سلطاته وقمع معارضيه، كما جاء في المقال، لا يعني بالضرورة أنه هو من حرك الانقلابيين. ومن باب توسيع دائرة التحليل، أتساءل ألا يحتمل بأن يكون هذا المقال دليلاً على ضلوع الإدارة الأميركية ومساعيها لتخفيف مراقبة الحكومة التركية على تحركات الانقلابيين واستعداداتهم، خصوصاً بعد تحميل السلطات التركية مسؤولية الانقلاب للداعية فتح الله غولن المقيم في أميركا؟ وأتساءل أيضاً، لماذا وقفت أحزاب المعارضة التركية مع حكومة أردوغان - ضد الانقلابيين - ولم تكتشف خدعته، وهم السياسيون الأقرب للأحداث والأكثر تضرراً من عودته؟
من جهة أخرى، انتشرت في الساعات الأولى من المحاولة الانقلابية رسائل تشير إلى وقوف أميركا وراء الانقلاب العسكري بالتنسيق مع روسيا، وتم الاستدلال فيها بتصريحي وزيري الخارجية الاميركي والروسي، وكذلك تمت الاشارة فيها إلى زيارة الوزير الاميركي جون كيري إلى روسيا قبل الانقلاب بيوم واحد. الغريب أن بعض مؤيدي ذلك الرأي اتهموا أميركا لاحقاً بالتدخل لإجهاض الانقلاب العسكري! لست بصدد نفي الدور الاميركي الأول أو الثاني، ولكن أتساءل ما الذي دفع بعضنا لاتهامها بالدورين المتناقضين؟
كما ناشدت سابقاً، علينا أن ننفتح على المحاور الاعلامية الأخرى، وهذا بالضرورة يتطلب دوراً بطولياً من بعضنا ليكون نافذة للاطلاع على ما تتداوله المحاور الأخرى، وهذا بالتأكيد سيزعج المتطرفين الذين سيسفهون ويستنكرون المساهمة في نشر ما تتناقله المحاور المقابلة. ولكن لابد من الصمود والاستمرار في العمل التوعوي الاصلاحي. وكما ذكرت في مقالات سابقة، يجب أن نكون أكثر تمحيصا للأخبار التي ننقلها، ولابد أن نلتزم بضم رابط الخبر - في موقع اخباري رسمي على شبكة الانترنت - ضمن الرسائل التي نعدها. وبكل تأكيد، تعميم ثقافة التحقق من مصداقية الاخبار سيحد كثيراً من انتشار الاخبار المفبركة التي يوظفها «داعش» - ومن في حكمه - في خلق حواضنه وفي تبرير جرائمه وفق الهوية الطائفية والوظيفية ضد الأبرياء... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]