صادف يوم السبت الماضي، التاسع من يوليو، الذكرى الأولى لرحيل عميد السياسة الخارجية والديبلوماسية السعودية الأمير سعود الفيصل بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - وهي الذكرى الباقية في وجداننا ووجدان كل سعودي عايش دور صاحب المواقف الإنسانية التاريخية.
ولد وزير الخارجية الثالث سعود الفيصل في 2 يناير العام 1940، وهو نجل الملك فيصل بن عبدالعزيز، الذي حكم المملكة العربية السعودية بين عامي 1964 - 1975. وكان من الجيل الأول في السعودية، الذي اهتم بقطاع التعليم، فجمع بين التعليم التقليدي والغربي، وكان يعتبر الوجه الدولي لبلاده، حيث شغل منصب وزير الخارجية عقوداً طويلة في ظل حكم أربعة ملوك للمملكة، نظراً لنفوذه الديبلوماسي وحنكته السياسية وعلاقاته القريبة من دول الغرب. فقد شغل هذا المنصب الوزاري الحساس منذ 1975 حينما اختارته الحكومة السعودية لتمثيل المملكة في المحافل الدولية طيلة 40 سنة، حتى أعفاه الملك سلمان بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين، من منصبه بناء على طلبه لأسباب صحية.
اشتهر سعود الفيصل، بدوره الديبلوماسي البارز في حل الكثير من القضايا العربية والخليجية، وكان في مقدمها دوره الكبير في الجهود التي أفضت إلى وضع حد للحرب اللبنانية من 1975 وحتى 1990 والتوصل الى اتفاق الطائف العام 1989 ثم الترويج لمبادرة الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز العام 2002 حينما كان وليا للعهد في شأن عملية السلام والقاضية بإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، شرط التنازل عن الأراضي العربية المحتلة، وهي المبادرة الإيجابية التي لاقت نجاحاً باهراً في القمة العربية في بيروت، وكان عاملاً مؤثراً في تفعيل بنود عملية السلام وشرحها للمجتمع الدولي. إلا أن سياسته كانت تميل إلى الحذر إزاء إسرائيل، بمعنى ان اي علاقة معها يجب ان تكون مرتبطة بحل النزاعات بين الدولة العبرية وبين الفلسطينيين على اساس الانسحاب كاملاً من الاراضي المحتلة، مؤكداً ان فوهة البندقية لن تقدم شيئاً للعالم.
وعندما تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 سبتمبر 2001 الارهابية، حرص الأمير الراحل على مخاطبة الدول الغربية الكبرى، بضرورة احترام الاديان والتمييز بين الاسلام والارهاب، مؤكداً ان الاسلام بريء من اي افعال ارهابية، كونه دين الاعتدال والتسامح والعدل والرحمة. لذلك لم يكن غريباً عليه حينما يوصف بأنه احد انصار الاصلاحات السياسية والاجتماعية في المملكة، لأن رؤيته واضحة وشفافة، وكان يفضل ان تكون إصلاحات تدريجية ومستمدة من الداخل وليست مفروضة من الخارج. لذلك نجح بفكرته في تعزيز الدور الأمني السعودي من خلال تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة من الناحية الامنية، ولعب دوراً بارزاً في دعم المعارضة السورية خلال اجتماعات مجلس التعاون الخليجي في الرياض، كما ساهم بفرض عقوبات اقتصادية صارمة على ايران بسبب مفاعلها النووي وتوسع نفوذها في العراق وسورية ولبنان.
لقد قاد سعود الفيصل، سياسة السعودية الخارجية ابان الحرب العراقية - الايرانية منذ 1980 وحتى 1988، وله دور كبير في اعقاب الاجتياح الاميركي للعراق، حيث رفض استخدام اراضي بلاده للاقتتال الطائفي داخل العراق اثناء حقبة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن العام 2003، كما ساهم في اعادة تفعيل مبادرة السلام العربية في 2007 بعد خمس سنوات على اطلاقها في قمة بيروت. وابان الغزو العراقي للكويت العام 1990 وخلال «عاصفة الصحراء» Desert) Storm)، عرفه الكويتيون عن قرب وصولاً إلى تحرير دولة الكويت من قبل تحالف دولي قادته الولايات المتحدة انطلاقا من السعودية الشقيقة.
نعم، سيظل رحيل سعود الفيصل في ذاكرة ووجدان جميع الكويتيين، ولن ينساه التاريخ بمواقفه الانسانية والديبلوماسية الصلبة تجاه الكويت اثناء فترة الغزو العراقي الغاشم عامي 1990 و1991. فلم ننس جهوده الجبارة في دعم تحرير الكويت وعودة الحرية لها تأييداً للدعم الدولي وانسجاماً مع موقف السعودية المؤيد لعودة الشرعية والحق الكويتيين مع كامل السيادة، تحت راية وقيادة حكامنا وحكومتنا الرشيدة.
رحل عنا سعود الفيصل، ولكنه ترك ذكرى طيبة في نفوس الكويتيين جميعا، قيادة وشعباً، وترك بصمة واضحة في الديبلوماسية الخليجية والعربية، جعلته يحظى بمكانة راقية وبتقدير كبير من العالمين العربي والغربي... وكنت خير نصير للأمتين الإسلامية والعربية.
رحمك الله يا سعود الفيصل وأسكنك فسيح جناته، «وإنا على فراقك لمحزونون».
ولكل حادث حديث...
[email protected]