صمود لبنان ليس صدفة

تصغير
تكبير
بقيت صيدا وفيّة لرفيق الحريري. هذا ما أثبتته نتائج الانتخابات البلدية. ليس صحيحا أن اللبنانيين ينسون من أعاد وضع بلدهم على خريطة المنطقة ومن أعاد الحياة الى بيروت والى كلّ مدينة لبنانية، بما في ذلك صيدا، عاصمة الجنوب. الذين ينسون هم اولئك الذين يمتلكون ذاكرة انتقائية تتجاهل ما هو على المحك في البلد هذه الايّام.

ما على المحك هو تكريس وجود تلك الهويّة الوطنية اللبنانية التي حمت الوطن الصغير طوال سنوات طويلة، ولا تزال تحميه، بما يؤكّد ان الصيغة اللبنانية أقوى بكثير مما يعتقد.


تبيّن بعد الانتخابات البلدية ان هناك ما لا يزال يجمع بين اللبنانيين. كلّ ما جرى في تلك الانتخابات التي اصرّ عليها الرئيس سعد الحريري وتولّى الاشراف على اجرائها وزير الداخلية نهاد المشنوق، ان لبنان لا يزال قادرا على الدفاع عن نفسه رغم كلّ المحاولات الهادفة الى ازالته عن خريطة الشرق الاوسط.

كان لبنان على تلك الخريطة ولا يزال. كان قبل سايكس ـ بيكو ولا يزال بعد سايكس ـ بيكو. كان قبل السلاح الفلسطيني والاحتلال السوري، وسيبقى رغم سلاح «حزب الله»، الذي يعمل من اجل تغيير طبيعة المجتمع اللبناني وطبيعة العلاقة القائمة بين لبنان ومحيطه العربي. عزل لبنان عن هذا المحيط جزء لا يتجزأ من الحرب التي يتعرّض لها البلد منذ نشوئه في حدوده الحالية، حدود «لبنان الكبير»، خصوصا منذ اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 الذي استهدف ضرب السيادة الوطنية واقامة سلطة فوق سلطة الدولة اللبنانية.

صمد لبنان امام الاحتلال السوري وكلّ الشعارات التي اطلقها نظام الاسد الاب والاسد الابن الذي يعتبر ان لبنان «صيغة هشّة» وانّه لولا سورية لما كان وجود للبنان. سيصمد لبنان رغم كلّ المحاولات التي تبذلها ايران حاليا، عبر ذراعها المحلية، اي ميليشيا «حزب الله» من اجل تغيير النظام انطلاقا من منع انتخاب رئيس للجمهورية. لم يعد سرّا انّ ايران تسعى الى ان تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في لبنان، عبر تعديل للدستور وتثبيت الثلث المعطل بشكل قانوني ونهائي.

هناك جهل ايراني لتاريخ لبنان، مثلما كان هناك جهل لدى الفلسطينيين، ابان مرحلة «جمهورية الفاكهاني»، وجهل لدى النظام السوري الذي اعتقد ان مجرّد المشاركة في اغتيال رفيق الحريري سيجعل اللبنانيين يرضخون ويستسلمون لمشيئة بشّار الاسد الذي وافق على السقوط تحت الوصاية الايرانية.

لن يغطي هذا الجهل الايراني ما يبذله «حزب الله» من جهود، مباشرة او عبر وسطاء، من اجل اقناع المسيحيين بان تعديل اتفاق الطائف عبر «المؤتمر التأسيسي» سيكون في مصلحتهم، نظرا الى ان المطلوب اعادة صلاحيات معيّنة الى رئيس الجمهورية الماروني. هذا كلام حقّ يراد به باطل، لا لشيء سوى لان من هو حريص على رئاسة الجمهورية في لبنان، لا يفعل كلّ ما يستطيع من اجل جعل البلد يتكيّف مع فكرة الفراغ في قصر بعبدا، علما ان رئيس لبنان هو رئيس الدولة المسيحي الوحيد، في المنطقة الممتدة من اندونيسيا حتّى موريتانيا.

ما يفترض ان يسمعه الايراني هذه الايّام ان لبنان ليس وليد البارحة، وانّه ليس من السهل الاستقواء عليه في سياق اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط. فبعد مرور قرن كامل على اتفاق سايكس ـ بيكو، نجد ان كلّ شيء انهار في المشرق العربي. الاستثناءان الوحيدان هما المملكة الهاشمية الاردنية والجمهورية اللبنانية.

اخطأ كلّ من كان يعتقد ان الاردن «دولة مصطنعة» وانّها «شطبة قلم من تشرشل». تبيّن ان كل من تحدث عن الاردن بهذه الصفة كان مخطئا، بل جاهلا. الاردن قصة نجاح على كلّ صعيد، لا لشيء سوى لانه تصدى بنجاح لكل محاولات تقويض المملكة. اعتمد الاردن على ثقافة التسامح التي يتقنها الهاشميون من جهة وبناء مؤسسات الدولة من جهة اخرى. هذه المؤسسات هي التي سمحت بذلك الانتقال الهادئ والمرن للسلطة من الملك حسين، رحمه الله، الى الملك عبدالله الثاني في العام 1999.

ما بقي من مؤسسات لبنانية يدافع عن لبنان. لا يمكن الاستخفاف بمعنى اجراء الانتخابات البلدية التي كشفت اوّل ما كشفت ان «حزب الله» فشل في تطويع كلّ شيعة لبنان، وانّ هناك جزءا كبيرا من ابناء هذه الطائفة الكريمة المؤسسة للكيان اللبناني، لا يزال يقاوم. هذا الجزء من ابناء الطائفة يؤكّد ان الهوية اللبنانية حيّة ترزق في وقت يبدو العراق وسورية في حال انهيار تام. فسايكس ـ بيكو عاش مئة عام ولابدّ الآن من سايكس ـ بيكو جديد، ربّما تحت اشراف اميركي ـ روسي، بعدما خدم سايكس ـ بيكو البريطاني ـ الفرنسي الغرض المطلوب في مرحلة معيّنة. لم يستطع بعض العرب في نهاية المطاف الاستفادة من الفرصة التي اتيحت لهم. لم يتمكنوا من بناء دولة مؤسسات. اضاعوا كلّ امل في بناء هوية وطنية. ففي عهد الاسد، صارت سورية «سورية الاسد». سيطرت الاجهزة الامنية على كلّ مؤسسات الدولة وصادرت باسم «المقاومة» و«الممانعة» كل حقوق المواطنين، وما بقي من كرامة لديهم.

قد يساعد مقطع من نص الكلمة التي ألقاها الرئيس أمين الجميّل في افتتاح مؤتمر عن «مئة عام على سايكس ـ بيكو» استضافه «بيت المستقبل» في بكفيا، في فهم لماذا صمد لبنان. مما جاء في الكلمة: «خلافا لما هو رائج، ليس لبنان الحالي وليد اتفاق سايكس ـ بيكو. انّه ثمرة عناد اعيان لبنان وفي طليعتهم الموارنة بقيادة البطريرك الماروني الياس الحويّك الذين اقنعوا فرنسا في مؤتمري باريس (1918 و1919) وسان ريمو (1920) بتصويب ذلك الاتفاق وانشاء كيان لبناني مستقلّ على كامل الاراضي اللبنانية. فاتفاق سايكس ـ بيكو وضع المناطق اللبنانية والسورية، من رأس الناقورة جنوبا حتّى كيليكيا شمالا ومن البحر المتوسّط غربا، حتّى سورية الداخلية شرقا، تحت النفوذ الفرنسي، من دون الاشارة الى حدود داخلية وكيانات مستقلّة. تمكّنت تلك الوفود اللبنانية، بعد جهد، من تمييز لبنان في صفقة سايكس ـ بيكو وتوحيده، ومن الحصول على مبدأ الاعتراف باستقلاله، طبعا حسب منطوق احد بنود المادة 22 من وثيقة جمعية الامم (سلف الامم المتحدة). كذلك، تمكّنت تلك الوفود، بواسطة فرنسا، من انتزاع اعتراف عربي بالوضع المميز للبنان، اعلنه الامير الشريف فيصل بن الحسين حاكم دمشق. امّا سورية فبقيت خمس ولايات منفصلة الواحدة عن الاخرى وذات طابع طائفي ومذهبي ( سنّي وعلوي ودرزي ومختلط). واجه اللبنانيون، اذا، نص اتفاق سايكس ـ بيكو ورفضوا منطق وعد بلفور، اي اقامة وطن قومي مسيحي على غرار اسرائيل، واختاروا مشروع الوحدة القائم على العيش المشترك المسيحي ـ الاسلامي ـ الدرزي، والاستقلال، بما يعنيه من قرار حرّ، والديموقراطية، بما تعنيه من ان الشعب مصدر السلطة. اكّد اللبنانيون هذا التوجّه في ميثاقهم الوطني اثر الاستقلال في العام 1943».

بعد قرن على سايكس ـ بيكو لم يعد سرّا لماذا صمد لبنان، رغم التحديات الضخمة التي تواجهه. ليس صدفة انّه لا تزال تجري في لبنان انتخابات في وقت تودّع المنطقة سايكس ـ بيكو... ليس صدفة انه توجد هوية وطنية لبنانية وهي لا تزال حيّة ترزق.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي