يبدو ان ظاهرة تقليد الاطباء بدأت تنتشر سريعاً في المراكز والعيادات الطبية، الى ان وصلت الى العالمية. وربما يرجع السبب في ذلك إلى المكانة المرموقة التي يتميز بها الطبيب في المجتمع، فأصحابها يجدون المتعة في المهنة وشخصية لها «كاريزما» خصوصا في التعامل مع الآخرين، وبالتالي نجد احترامها واجباً، فدور الطبيب معروف في رسالته الإنسانية، لذلك يسعى الكثيرون من أبنائنا الدارسين الى أن يكونوا اطباء مرموقين في المستقبل خدمة للوطن وعرفاناً لأهلهم.
من هذا المنطلق، شاهدنا الكثير من القصص والحكايات التي تُروى عن "الطبيب المزور"، وكيف استطاع طالب في أحد المعاهد التطبيقية أن يلعب دور الطبيب الحقيقي وتقمص شخصيته حتى فحص معظم المرضى، وتابع حالاتهم المرضية وصرف لهم الدواء، وهو يجول بين أروقة المستشفى يومياً بين غرف الأطباء والمرضى من دون كلل او ملل ومن دون أن ينكشف أمره، وظل على هذه الحال فترة طويلة وهو عاشق لهذه المهنة، والشخصية.
ومن أجل المحافظة على دوره الإنساني، تظاهر الطالب بأنه طبيب متدرب ومرتبط بدراسات أخرى، رغم أنه ليس راغباً في تخصص دراسته في التطبيقي، فيكون حاله مثل الكثيرين من أبنائنا الطلبة ممن يحدهم الزمن بدخول تخصصات دراسية ومهنية لا يرغبونها، وبالتالي لا ينجحون ولا يبدعون فيها لأنها رست على عكس رغبته وطموحه في الحياة. وقد لاحظنا عملياً كيف استطاع هذا الطالب المتدرب، حسب ما ادعى، أن يبدع في مهنة الطب، ويقوم بدور الطبيب بدرجة ممتازة، وكيف تعامل بإنسانية مع المرضى من دون أن يشك أحد منهم بتصرفاته وكيف كان أطباء المهنة يتناقشون معه ويتحاور معهم بكل جرأة وثقة بالنفس في غرفة استراحة الاطباء من دون ان ينكشف سره!
واعتقد أنه لولا تناول الإعلام تفاصيل قضيته لما وجدنا أحداً يعلم عنه شيئاً! الغريب أنه عند التحقيق معه أفاد بانه كان ولا يزال مهووساً في الطب، الا أن رغبته لم تتحقق في الحياة، فاضطر بأن يقوم بدور الطبيب المزيف تحت اسم أحد أفراد الأسرة الحاكمة، وهنا تقع المشكلة.
اذا لماذا ذكرت في اول حديثي أن هذه الظاهرة أصبحت عالمية، لأن هذه العدوى أصابت دولاً كثيرة، ومنها الولايات المتحدة، ففي ولاية فلوريدا القت الشرطة القبض على مراهق عمره 18 عاماً تقمس دور الطبيب وقام بتوقيع الكشف الطبي على المرضى، وافتتح ايضا عيادة خاصة له منذ يناير الماضي، واعتمد فيها على وسائل غير تقليدية، أي فسيولوجية ونفسية مع مرضاه، لا تنتمي إلى أي مدارس طبية، الا أنه لم يستمر في مهنته لإبلاغ عائلته وأصدقائه عنه خوفاً من فضيحة الحاق الأذى بالآخرين.
ويذكر أن هذه الحادثة لم تعد الفريدة من نوعها في المنطقة، بل سبق وأن حدثت في يناير الماضي، حينما أوقفت شرطة فلوريداً مراهقا آخر تظاهر بأنه طبيب أمام الناس لأكثر من شهر إلا أن القضاء لم يوجه له أي اتهام كونه لم يقم بممارسة المهنة في شكل عملي!
الدول النامية تسعى إلى تنمية العقل والقدرات والإبداع وتفتح الطريق أمام أبنائها الطلبة المبدعين لتكافأهم حتى يكونوا أصحاب موهبة، وهذا يساعد على اكتشاف الكثير من الابتكارات، سواء على المستوى الطبي أم التكنولوجي أو غيره، فما أريد قوله أنه مثلما تحرص الدول النامية على راغبي الاحتراف في المهن المهمة، فعلينا أيضاً أن نهتم بهؤلاء الشباب الخريجين من الجيل الجديد لكي نفتح المجال أمامهم في سبيل تحقيق النجاحات في سوق العمل، وهو على عكس ما نراه اليوم من توجهات حكومية تساهم في إغلاق الأبواب أمام الكفاءات الوطنية في كل قطاعات ومؤسسات الدولة والتضييق على الطلبة الراغبين في دراسة علوم الطب بمختلف التخصصات إلا من خلال نسب عالية قد تكون تعجيزية.
وبالتالي كيف لا يكون ذلك حلماً عند معظم الطلبة الخريجين الطامحين في تبوؤ المراكز المرموقة في البلاد؟ إن ما نراه اليوم من ظواهر غريبة على مجتمعنا ناتجة من إهمال الأسر في متابعة أبنائهم في تحصيلهم العلمي، ثم إغلاق طريق الجامعات والمعاهد والبعثات الخارجية عليهم، بحجة عدم حصولهم على النسب العالية المطلوبة، وبالتالي يصبح مستقبل الشباب مهدداً ومرفوضاً من الشهادات العليا والوظائف العليا، وكأننا نقتل الإبداعات والمواهب في وجه خريجي الثانوي من الشباب الذين يغلب عليهم طابع الحماس في أي مكان يرغبون الذهاب إليه... وهذه هي الحقيقة المرة!!
ولكل حادث حديث...
[email protected]