ضوء

الأقصر... (1)

تصغير
تكبير
قررت أنا وإحدى الصديقات السفر إلى مصر، دعماً للسياحة في ظل الأوضاع الصعبة التي يعاني منها الاقتصاد المصري بشكل عام والسياحة هناك بوجه خاص، وتولت صديقتي المهمة على عاتقها فاتصلت بمجموعة من الصديقات الخريجات البحرينيات من الجامعات المصرية، وتم لنا ما حلمنا به، وقررنا السفر نحو 20 امرأة قاصدات أرض العجائب، حطت أقدامنا لأول مرة الأَقصر، بفتح الألف وليس ضمها، وبالنسبة لي كان هدفي الأساسي زيارة الآثار الفرعونية التي يحج إليها العالم من كل فج عميق، وكنت أقول لنفسي لقد رأيت ربما نصف العالم، ورأيت متاحف وآثاراً لا تخطر على بال، فهل سأرى أكثر مما رأيت؟، وتلقيت الجواب سريعاً، نعم من لم ير الأقصر، فاته نصف عمره.

الأقصر هي طيبة عاصمة الفراعنة، وصفها الشاعر الأغريقي هوميروس في الألياذة بمدينة المئة باب، وسميت مدينة الشمس، مدينة النور والصولجان، وبعد الفتح العربي أُطلق عليها الأَقصر لأنها تجمع بين ثناياها قصور الفراعنة، يقسمها النيل إلى شطرين: البر الشرقي الذي تشرق منه الشمس ويعج بالمعابد والمزارات، والقسم الغربي ويعج بالمدافن والقبور حيث تغرب الشمس لتذهب إلى عالم الموتى في معتقد الفراعنة قديماً.


يعجز المرء عن الوصف، لدرجة تجعلك لا تصدق أن من صنع تلك الأعاجيب بشر مثلنا، يخيل إليّ أن كل الشعب آنذاك وبالملايين اشتغل في بناء المعابد والآثار، فكل قطعة حجرية نُقش عليها فن إبداعي فريد، ولم تترك أناملهم أي مليمتر واحد فارغ في كل قطعة من تلك الأحجار الصلدة الضخمة التي يترآى للناظر أنها هبطت من السماء من ضخامتها، ولا يمكن أن يتخيل المرء أنها رُفعت إلى السماء، هل الفراعنة نحتوا الجبال وحولوها إلى معابد ومزارات؟، أم أنهم هدوا الجبال ونقلوا الصخور إلى المواقع التي بنوا عليها المعابد؟، يُقال إن كل الصخور التي استخدمت في بناء الآثار الفرعونية كلها جُلبت من أسوان! معجزات، يعجز المرء عن وصفها.

أولاً يبهرك جمال الطبيعة في الجنوب، ويبهرك اتساع النيل وعظمته، في ذلك المركب الكبير الذي يشق عباب النيل، وتلك المناظر الخلابة التي تسلب الألباب.

تحط أقدامنا في معبد الكرنك الذي بني قبل 1700 عام ق م، واستغرق بناؤه أكثر من ألف عام، على مساحة مترامية الأطراف، والكرنك يعني الحصن الحصين، وكان النيل يجري بجانب المعبد الذي يتكون من عشرة صروح، ويأتي الصرح الأول ليقف الإله رع إله الشمس متمثلاً في الملك رمسيس الثاني، وتقف الآلهة ايزيس بين قدميه لتعضده وتسانده، ثم تتلألأ المسلات العظيمة المعجزة التي كان عددها أربعة، واحدة حُملت إلى روما والثانية إلى أسطنبول، والثالثة لم تصمد بفعل الرياح، والرابعة مسلة حتشبسوت التي تقف صامدة عظيمة كتلك المرأة الرائعة التي حكمت مصر لفترة طويلة، وقد أراد تحتمس الثالث أن يمحو كل أثر لها، فبنى سورا حول تلك المسلة، لكي يحجبها عن أعين البشر، وبفعل ذاك السور صمدت تلك المسلة، فخلدت اسم الملكة الظافرة.. قطعة حجرية واحدة ممتدة رباعية الأضلاع يتناقص مقطعها تدريجيا لينتهي على شكل هرمي مدبب، مثبتة في الأرض وكأنها منارة هبطت من السماء.

ثم تمر عبر غابة من الأعمدة الأوزيرسية الكبرى عددها 134 عموداً في 16 صفاً، وكل عمود يتعالى إلى أكثر من مئة متر في السماء، وترى في نهاية كل عمود تحفة أثرية فريدة زهرة اللوتس، التي تمثل التقاء الدلتا، وهي مقفلة أو متفتحة الأوراق بهدف استجلاب الضوء والرياح، هذه الأساطين الخرافية كل مليمتر فيها عليه نقش إبداعي لا مثيل له.

ويتربع التمثال الذهبي للإله رع المتمثل في الملك أمنحوتب الثالث، ليظهر على هيئة الجعران في الصباح جالباً الخير والحظ السعيد، وهيئة الكبش رمز القوة والخصوبة في منتصف النهار، وهيئة قرص الشمس عند الغروب، وعلى تلك الأحجار المقدسة سجل الملك تاريخ حياته وزواجه وصولاً إلى نهاية قدس الأقداس والحديقة والبحيرة المقدسة التي يتربع بجانبها الجعران المقدس الذي تقول الأسطورة أن من يدور حوله سبع لفات يجلب له الحظ السعيد.

وأختم مقالي بأنني أكاد أجزم أن كل الشعب ساهم في بناء تلك الحضارة، وكان يعمل ليل نهار، وأجزم أيضاً أنه كان يتم تقديم الورش التدريبية للأيدي العاملة الجديدة.

إن كل مليمتر من كل قطعة حجرية تقف أمامها إجلالاً وإكباراً، كل قطعة شاهدت على عظمة تلك الحضارة الخالدة التي لم ولن تزول، وعلى العالم كله وخاصة «اليونسكو» العمل على حمايتها والمحافظة عليها بكافة السبل. شكراً حبيبتي مصر، أرض الجمال أرض الكنانة، سيدة الدنيا والآخرة.

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي