خيرالله خيرالله / أهمية زيارة الرئيس اللبناني للدوحة

تصغير
تكبير
ترتدي زيارة الرئيس اللبناني ميشال سليمان للدوحة ومحادثاته مع أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أهمية خاصة. لا تعود أهمية الزيارة إلى الصعوبات التي تواجه ما تبقى من تنفيذ الاتفاق الذي توصل إليه اللبنانيون في العاصمة القطرية في مايو الماضي فحسب، بل إلى الدور المحوري الذي تلعبه قطر أيضاً. في النهاية ليس هناك طرف عربي أجرى كل هذه الاتصالات التي أجرتها القيادة القطرية في الفترة الأخيرة. تكفي الإشارة إلى أن أمير قطر زار طهران قبل أيام وأجرى محادثات مع كبار المسؤولين فيها قبل أن يعقد قمة مع الملك عبدالله بن عبدالعزيز في جدة ثم يعود إلى بلاده لاستقبال الرئيس اللبناني وسط كلام عن قرب توجهه إلى دمشق للقاء الرئيس بشار الأسد إضافة إلى الرئيس نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. إنها قمة رباعية، تكرس في حال انعقادها تحقيق النظام السوري اختراقاً على الصعيدين الاقليمي والاوروبي بعد قبوله النصيحة القطرية القاضية بتسهيل انتخاب رئيس للبنان.
تعتبر كل هذه الأطراف معنية بشكل مباشر بما يدور في لبنان، الذي يتبين مع مرور الأيام أن قضيته في غاية التعقيد، بل تختصر كل مشاكل المنطقة التي تجمعت فوق أرض البلد الصغير. لبنان حالياً هو المكان الذي يشهد أعنف المواجهات ذات الطابع المذهبي في المنطقة، خصوصاً بعد اجتياح «حزب الله» الإيراني بيروت في مايو الماضي، ودخوله على خط المواجهة السنية- العلوية في الشمال اللبناني انطلاقاً من طرابلس. ولبنان هو المكان الوحيد في المنطقة، إلى جانب الأراضي الفلسطينية طبعاً، وغزة تحديداً، حيث ميليشيا مسلحة مستقلة عن الدولة أقامت دويلة خاصة بها تسعى إلى جعل الدولة اللبنانية ومؤسساتها تابعة لها. وبلغت الوقاحة بهذه الميليشيا أن أطلقت النار على مروحية تابعة للجيش اللبناني في منطقة سجد في الجنوب السبت الماضي ما أدى إلى استشهاد ضابط شاب كان يقود الطائرة. أكثر من ذلك، حققت الميليشيا مع ضابط آخر كان في المروحية واحتجزته بعض الوقت. إنه البلد الوحيد في العالم الذي لا يحق فيه للجيش الوطني التحليق بطائراته حيث يشاء وكيفما شاء بحجة أن هناك مقاومة تريد المحافظة على أمنها وأمن المربعات الأمنية التي تسيطر عليها. فوق ذلك كله، لبنان هو الجبهة العربية الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل على الرغم من صدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الأمن، الذي شاركت قطر في صياغته، والذي أغلق جبهة جنوب لبنان لمصلحة الاستقرار في لبنان ولمصلحة أهل الجنوب تحديداً... وكأن المطلوب أن يحارب لبنان عن العرب وأن يُستخدم شعبه وقوداً لتحقيق صفقات مع «الشيطان الأكبر» الأميركي و«الشيطان الأصغر» الإسرائيلي!
الأكيد أن اتصالات أمير قطر تتجاوز الوضع اللبناني وتشمل بين ما تشمل الوضع في منطقة الخليج في ضوء التوتر القائم بين إيران من جهة ودول المنطقة والمجتمع الدولي من جهة أخرى. كذلك، لا يستبعد أن تكون الاتصالات القطرية تطرقت إلى إمكان تحسين الأجواء العربية، خصوصاً بين السعودية وسورية، والأجواء بين إيران ومحيطها. لكن ذلك لا يمنع من القول أن لبنان لا يزال موضوع رعاية قطرية خاصة وأن الجهود مستمرة لتنفيذ ما تبقى من «اتفاق الدوحة»، أي إقرار قانون الانتخابات ومباشرة الحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية كما هو متفق عليه. فالمطلوب بكل بساطة ألا يكون اتفاق الدوحة بين اللبنانيين مجرد هدنة قد تطول أو تقصر في ضوء المستجدات الأقليمية والتجاذبات القائمة بين هذا الطرف العربي أو ذاك، أو بين إيران ودول عربية أو أجنبية كما هو حاصل الآن. لقد تحول لبنان رهينة لدى الإيرانيين والسوريين، رهينة يستخدمها كل من الطرفين لأغراض خاصة به لا علاقة لها باللبنانيين بمقدار ما لها علاقة بالبرنامج النووي الإيراني، وسعي النظام السوري إلى الخروج من عزلته والتخلص من المحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والجرائم الأخرى التي حصلت في لبنان.

لا يمكن تجاهل أن ما تحقق حتى الآن مهم بالنسبة إلى لبنان وإلى المنطقة. استطاعت قطر وقف التدهور في بيروت. وأمّن «اتفاق الدوحة» انتخاب رئيس جديد للبنان بعدما كان الفراغ المرشح الوحيد للنظام السوري. وأمكن تشكيل حكومة جديدة استناداً إلى التوازن الذي أقر في الدوحة. ونالت الحكومة الثقة استناداً إلى بيان وزاري شبه معقول. أخيراً، استطاع مجلس الوزراء تعيين قائد جديد للجيش مشهود له بمزاياه كضابط محترف. باختصار، أمكن وقف التدهور في لبنان من دون الوصول إلى المرحلة التي سيتوجب فيها البحث، عن طريق الحوار، في الموضوع الأساسي المكرس للاستقرار وهو سلاح «حزب الله» وفي خدمة من يجري توظيف هذا السلاح، باستثناء أنه في خدمة كل من يريد تفتيت مؤسسات الدولة اللبنانية وتنفيذ مشروع «لبنان الساحة»!
استطاعت قطر التي فهمت منذ البداية تعقيدات الوضع اللبناني وسعت إلى إبقاء الأبواب مفتوحة مع الجميع، تحقيق تقدم حقيقي وفي العمق. لكنه تقدم غير حاسم حتى الآن. في النهاية، لا يمكن تجاهل أن للنظام السوري حساباته وأوهامه اللبنانية على الرغم من موافقته على التبادل الديبلوماسي بين بيروت ودمشق. ولكن ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته أنه بات على النظام السوري الآن أن يعدّ للمئة قبل الإقدام على مغامرة جديدة في لبنان بعدما فتحت له الدوحة أبواب باريس، وبعدما فتح لنفسه أبواب أنقرة التي أوصلته إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، يطمح إلى أن تكون مباشرة في حال شارك الأميركيون فيها. إنها بالفعل معادلة معقدة لبنانياً وإقليمياً. ربما كان أهم ما يميّز التحرك القطري تلك القدرة على ضبط النفس والابتعاد عن الانفعالات. لهذا السبب لم تدخل الدوحة في لعبة إرسال المبعوث تلو الآخر إلى بيروت بناء على رغبة هذا الطرف أو ذاك. على العكس من ذلك، تركت اللبنانيين يدركون وحدهم أن عليهم تأدية المطلوب منهم في حال كان لديهم حد أدنى من الحرص على بلدهم ومستقبل أبنائهم. ما يساعد في جعل الدور القطري على مسافة معينة من الحدث وفي قلبه في آن، إن النظرة إلى لبنان من الدوحة تندرج في إطار الاستقرار الإقليمي. لهذا السبب وليس لغيره، لا بد من العودة إلى كلام الشيخ حمد بن خليفة، لدى زيارته بيروت وتفقده الضاحية الجنوبية، مباشرة بعد وقف العمليات الحربية إثر حرب صيف العام 2006. تحدث أمير دولة قطر وقتذاك عن أهمية السلام الشامل على الصعيد الإقليمي. هذا السلام مخرج للجميع وهو مدخل إلى الاستقرار ومدخل للبحث في تفادي الكارثة الكبرى المتمثلة في صدام أميركي ـ إيراني سيكون كارثة على الجميع، في الخليج وبعيداً عن الخليج. الاستقرار الإقليمي كلمة السر، ولبنان أحد المداخل إليه وإحدى بؤر التوتر التي يمكن أن تطيح به، قطر مهتمة بالاستقرار الإقليمي كونها تعرف أن الجميع في المنطقة في مركب واحد. إنّه استقرار يخدم مصالحها أولاً وأخيراً كما يخدم كل المقيمين في الشرق الأوسط.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي