خواطر صعلوك

مرحباً... أنا مريم !!

تصغير
تكبير
اسمح لي عزيزي القارئ أن آخذك اليوم إلى زاوية جديدة لم تتكلم عنها الأقمار الاصطناعية من قبل، ولم اسمع (ربما لجهلي) أحد مشايخ الدين قد طرحها من على المنبر، لأنه منذ عصر ركوب الخيول وحتى عصر ركوب المنابر، امتدادا لركوب الثورات تغيرت أمور كثيرة لا يكفي المقال لذكرها.

والخلاصة أنه عندما نذهب إلى مكاتب الخدم، حيث هناك تجد البشر مرصوصين على الكراسي وكأنهم سلع خرجت من مصنع رأسمالي بغيض، سلع وضعت ولكن من دون (فترينة) أو زجاج عازل بينك وبين السلعة التي تريد أخذها.


تنظر للخادم أو الخادمة لكي تعاين جودة البضاعة، تسألها بعض الأسئلة المهمة عن الطبخ والغسيل والاستيقاظ صباحاً ومدى تقبلها للأولاد، وربما لا تسألها عن اسمها، أو ربما تغير لها اسمها أثناء العودة بها للمنزل، تماماً كما غيرت أنا اسم خادمتي عشرين مرة!

********

مرحباً...اسمي مريم.

أعتقد أنه ليس مهما بالنسبة لكم أن تعرفوا ديانتي، هل أنا مسلمة أم مسيحية أم هندوسية أم بوذية؟ ولكنني أعتقد أنه من المهم لكم أن تعرفوا أني إنسانة.

جئت إلى هنا تاركة خلفي 30 عاماً من الحرمان وطفلتين وزوجا محطما،عموماً أنا لم أرحل عنهم بعيداً إلا من أجل المال، فزوجي يغار علي كثيراً، ولكن لا يهم فقريبا سأكون في بيت أحدهم.

استقبلني مكتب الخدم من المطار، ثم عرضني للبيع، وفي اليوم الأول لم أعجب من ارتادوا المكتب، لذلك عدت إلى السكن الذي يفترض به أن يليق بإنسان، ولكنني وجدته سكنا أقل من سكن الكلب وأكثر قليلاً من سكن الهر.

الزبائن ينظرون لي كأني مجرمة هاربة، وأنا فعلاً هاربة...ولكن من واقعي.

********

هذا هو اليوم العاشر وإلى الآن لم أتصل بأبنائي ولا زوجي، مسؤولة السكن تصرخ ليل نهار، وبالأمس منعوا عنا الطعام والتلفاز لأن إحدى زميلاتنا قد هربت!

بعد يومين سأدخل يومي العشرين هنا، يجب علي أن أرسل مصاريف الأبناء، والدائنين الذين يطرقون بابنا هناك يومياً. أفكر في أمي وأبي وأبنائي، وأفكاري مثل صوت الشلال، متكررة ولا تخرج عن النمط ولكنها غير مملة.

إلى الآن لم يخترني أي أحد.

انضمت إلينا اليوم ثلاث خادمات جديدات. نفس نظرة البؤس تملأ أعينهن، ولكل واحدة منهن آلاف الحكايات.

أبنائي يبكون على الهاتف، ومسؤولة السكن تصرخ، وأحدهم تحسس جسدي قبل يومين، وأشعر بالجوع، وأفكاري خرجت عن مسارها.

********

بالأمس انتحرت، ألقيت بنفسي من الدور الثالث.

أنا الآن عند الرحمن الكريم رب العالمين.

وما أريد أن أقوله هو (من المسؤول عن انتحاري، هل هو المكتب؟ أم السكن الذي وفره لي المكتب؟ أم من جاء بي إلى هنا؟ قيل لي أنكم شعب عظيم ولن يرضيه ما يحدث)

ابتهال:

اللهم يا من علم الإنسان الكتابة والبيان، وعلم آخرين القراءة والتبيان، أسألك باسمك الرحمن أن يقرأ هذا المقال مسؤول كبير يشن حملات تفتيشية على سكن الخادمات الذي توفره لهن المكاتب قبل أن تبيعهن لنا كخردة حيث نعيد تدويرهن.

كاتب كويتي

@moh1alatwan
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي