تربطني علاقة صداقة قديمة ومستمرة بأحد الذين حكم عليهم بالحبس لمدة 5 سنوات في قضية خلية العبدلي. وبالرغم من الحزن العميق إلا أنني أحمد الله - الذي لا يحمد على مكروه سواه - على اثنتين من نعمه، الأولى تتمثل في تبرئة صديقي - من قبل نفس الهيئة القضائية - من بعض الاتهامات التي وجهت إليه من قبل النيابة العامة والأجهزة الأمنية، والثانية مرتبطة بثقة محامي صديقي بحكم البراءة الذي سيحصل عليه في محكمة الاستئناف.
لا أنوي في هذا المقال استعراض الشواهد على براءة صديقي، لأنني لست مؤهلا لذلك وليست صفحات الصحف موقعا ملائما لها. كما أنني شديد الحرص على تفادي شبهة المساس بهيبة القضاء وأتحاشى التشكيك في نزاهة القضاة او اهتمامهم بعملهم او في التزامهم بأحكام القانون.
من الجوانب المهمة التي تتطلب اهتمام الدولة، هو الانحراف الخطير في علاقتنا كمجتمع ونوابه مع السلطة القضائية، فهي تتذبذب بين الافراط والتفريط وبين التقديس والتجريح، بسبب عدم التزامنا بثوابت الدولة المدنية وجهلنا بموقع العدل فيها. ففي الدول المتحضرة، العدل أساس الدولة ومفتاح الأمن والسلام. ولكن في الكويت، يستخدم البعض منّا الأحكام القضائية كمعول لهدم النسيج الوطني، وخير مثال على ذلك تبعات الحكم على خلية العبدلي.
بعد يوم واحد من صدور أحكام الخليّة، قاطع النواب الشيعة التسعة جلسة مجلس الأمة. وبالرغم من تواتر كثير من المعلومات المتباينة عن سبب غيابهم، إلا أن البعض حرصوا على التأكيد بأن غياب النواب كان بقصد الاعتراض على تلك الاحكام.
ألم يرَ هؤلاء المحرضون بأن من بين النواب الذين لم يحضروا الجلسة من لا يتفحص الكيدية فيصوت دوما مع رفع الحصانة عن زملائه - في المجلس وفي فريق المقاطعة - لثقته المطلقة بالقضاء. ألم يعلم المؤزمون بأن من بين النواب المقاطعين من يرفض نصرة ضحايا التمييز الفئوي ويكتفي بتوجيههم نحو القضاء لينصفهم. وإذا كان النواب الشيعة يتبنون مبدأ مقاطعة جلسات البرلمان للتعبير عن استيائهم من أحكام القضاء، لكان الأولى بهم أن يجمّدوا أنشطتهم البرلمانية عندما خُفّف الحكم على من تجاسر على إمامهم المهدي. وإذا كانت مقاطعتهم استنكارية من أجل الاصلاح، لكان الأجدى اعلان ذلك عبر تصريح في منصة الاعلام بالمجلس أو من خلال بيان جماعي، وإلا كيف نتوقع الاصلاح من نائب يعجز عن بيان مورد الفساد؟ وإن كانوا يخشون التبعات القانونية، لأوضحوا موقفهم تحت قبة عبدالله السالم حيث الحصانة القصوى، فضلا عن توثيقه في المضبطة البرلمانية للتاريخ كما حصل مع القرض العراقي في الثمانينات من القرن الماضي.
أنا شخصياً أرجح أن يكون غياب النواب عن تلك الجلسة نتيجة تنسيق مسبق مع رموز وأقطاب في الدولة من أجل تمرير مناقشة الوضع الاقليمي من دون سجال نيابي وتصريحات تأجيجية قد تؤثر سلبا على الساحة السياسية التي تعاني مسبقا من احتقان طائفي. ولاشك بأن هكذا سبب يبرر امتناعهم عن التصريح به.
لذلك علينا أن نتبنى مشروعاً وطنياً متكاملا لمواجهة تفاقم الأوضاع الاقليمية والمحلية، على أن يبدأ هذا المشروع الاصلاحي بمحاسبة النواب، ومن بينهم بعض المقاطعين، الذين ساهموا - بسلبيتهم - في توغل الطائفية إلى الكويت، والذين عجزوا عن تشريع قوانين لمكافحة الارهاب - بالرغم من المناشدات المتكررة - فتسببوا في افلات بعض الارهابيين من العقوبات التي يستحقونها... اللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
[email protected]