تعلمت في صغري أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لما نعاه جبريل في نفسه، خطب في المسلمين وناشدهم بالله وبحقّه عليهم قائلاً (م?نْ كانت له قِبَلي مظلمة فليقُم فليقتصّ مني قبل القصاص في يوم القيامة)، وسمح لعكاشة أن يقتص منه، فعلمت أن الاسلام دين العدالة وليس هناك أحد فوق العدالة. ولكن عندما تقدم العمر بي وجدت أن ذات الدين يوظفه المسلمون، بشتى طوائفهم، لإضفاء حصانة وقدسية لقادة وزعماء سياسيين. ومازلت لا أفهم، كيف لشعوب إسلامية ترعرعت على حاكمية العدل في الإسلام على جميع البشر وخيرهم، أن يتنازل عن واجب الإصلاح السياسي من أجل صون من هم دون النبي المصطفى؟، بل كيف تقبل هذه الشعوب باعتقال الإصلاحي والمعارض السياسي؟، أو كيف تبرر قتله في عملية تصفية أو محاكمة شرعية؟، لم أفهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
لم أفهم، لماذا العديد من قنوات الإعلام الفضائية، وبناتها في برامجها، تخلت في السنوات الأخيرة عن شيخ سعودي شيعي عُرف بنهجه المهادن، وتبنت محله المرحوم الشيخ نمر النمر ومسلكه الإصلاحي الصارم. ولم أفهم، كيف لآلاف مؤلفة من مؤيدي المهادنة تحولوا في أيام معدودة إلى مشاركين في المواجهة السياسية؟
لم أفهم، لماذا مواقفنا من الإصلاحيين السياسيين تتموج حسب الحكومات التي يستهدفونها؟، لماذا لا نتبنى ذات المبادئ الحقوقية في جميع دول العالم سواء كانوا في الكويت أو السعودية أو إيران أو أي بلد آخر في آسيا أو أي قارة أخرى؟
لم أفهم، لماذا حكمنا على منظمة الأمم المتحدة، وعلى أمينها العام، يتذبذب من حالة إلى أخرى؟ فتارة نتهمها بالعمالة للصهيونية والإمبريالية العالمية، وتارة نطالب بعض الحكومات بالاستجابة لنداءات أمينها العام.
لم أفهم، لماذا نتأرجح في عقيدتنا السياسية في شأن مشروعية وصلاحيات المنظمات الأممية في تعاطيها للشؤون الداخلية، والحقوقية تحديداً، للدول الأعضاء على حساب سيادة تلك الدول؟، وكذلك الأمر بالنسبة لدور الدول العظمى في تنفيذ وتطبيق قرارات تلك الكيانات الدولية.
قد أفهم لماذا نحن الكويتيين لم نتعظ من الحروب الدينية المدمرة في أوروبا حيث كانت في العصور الوسطى ولم نعاصرها. ولكنني لم أفهم لماذا لم نتعلم من الحروب الدينية الجارية، في سورية على سبيل المثال، وما خالطها من جرائم وحشية بالرغم مما وصل إلينا من صور ومقاطع مرعبة.
لم أفهم، لماذا بعض الكويتيين يعتقدون بأن الحكومة السعودية أو الإيرانية بحاجة لدعمهم وتأييدهم في مواجهة خصمها؟، كيف ذلك وهم متيقنون من أن الدولة التي يرونها على حق، قادرة على الدفاع عن نفسها بل مسح الأخرى من خارطة العالم. قد أفهم التصريحات الطائفية من قبل بعض الساسة المرتبطين بدول إقليمية أو التابعين لأقطاب ما يسمى بمشروع الربيع العربي في الكويت، ولكنني لم أفهم تلك الصادرة من الأكاديميين والسياسيين المستقلين.
لم أفهم، لماذا من كان يردد أن وحدتنا الوطنية صمام أمان لنا، وعمقنا الاستراتيجي الحقيقي، يشارك اليوم في تعميق الشرخ الطائفي في مجتمعنا؟
لم أفهم، كيف منعتنا تيارات الإسلام السياسي من استيراد وتوطين مقومات الحوكمة الرشيدة وركائز الاستقرار الإقليمي من الاتحاد الأوروبي إلى دول الشرق الاوسط ومن بينها الكويت؟. يبدو أنها شغلتنا بإطروحاتها السطحية عن معالجة الاحتقان الطائفي وبالشعارات الإسلامية عن مبادئ الإسلام المحمدي.
لذلك أدعو الحكماء والعقلاء والمثقفين إلى التصدي وتحمل مسؤوليتهم الوطنية في منع انزلاق البلاد نحو هاوية الاقتتال الطائفي... وحينها لن ينفع الندم.
[email protected]