أين تقع الطبقة الوسطى في خريطة المجتمع؟
إذا أردت عزيزي القارئ أن تعرف جواب هذا السؤال فأكمل المقال معي، واسمح لي أن اتبع معك طريقة البرامج الرخيصة التي تظهر النتيجة في آخر الحلقة حيث إني أيضاً سأظهر الإجابة في آخر المقال.
منذ اللحظة التي بدأنا فيها تصدير أول برميل نفطي، اعتقدنا أننا دخلنا الحداثة والتنمية، ثم ظهرت الحركات التي تطالب بحقوق المرأة في العمل وفي الانتخابات والترشيح، وقالوا للنساء اخرجن من بيوتكن واعملن في خدمة آخرين غير أزواجكن، ونحن سوف نكفل لكن حقوقكن وسوف نعطيكن رواتب تجعلكن مستقلات عن آبائكن، واللاتي لم يقنعهن هذا الكلام، أقنعهن الإعلام من خلال المسلسلات والإعلانات والأفلام، ثم بدأت النساء في العمل وتحولت المرأة من (أم) إلى (موظفة) ومن (زوجة) إلى (سكرتارية) وتركت أولادها بيد الخدم، وعندها نهض المشرع وقال لها (سوف أضمن لك حقوقك) سُنت قوانين للأمومة، فأعطيت إجازة خاصة براتب كامل لمدة شهرين من أجل أن تضع مولودها الذي سيقضي طفولته إما في الحضانات أو مع الخادمات، ولكن المُشرع (يخاف الله) لذلك فقد منح الموظفة مرة أخرى إجازة لرعاية الأمومة ولكنها هذه المرة بنصف راتب ولمدة أربعة اشهر فقط، عليها فيها أن تعلم طفلها الرضيع كيف يواجه الحياة وحده! ولكن المشرع كما قلت لكم (يخاف الله ويخاف على أبناء الكويت) ولذلك فقد منحها مرة ثالثة إجازة لرعاية الأسرة والامومة والطفولة مدتها أربع سنوات، ولكن هذه المرة من دون راتب أصلاً!
إذاً أصبحت العلاقة بين موظفة الطبقة الوسطى التي لا تستطيع أن تأخذ إجازات بنصف راتب أو بدونه بسبب التزامات الحضارة وبين مكاتب الخدم هي علاقة مشاركة في أعباء الحياة والراتب، ورغم أن النساء قد أخذن حقوقهن السياسية ودخلن المجلس والدواوين لعرض برامجهن إلا أن المرأة لم تشعر بألم أختها المرأة لتسن قوانين تحارب فيها أصحاب مكاتب الخدم التي وصلت أسعارها الى 1300 دينار للخادمة!
لا أحد يفتش عن هذه الأسعار، بل لا أحد تحرك بعد جرائم القتل التي طالت أبناءنا، ولكن كل ما يحدث هو أنهم يمنعون جنسية من الدخول، ويفتحون الباب لجنسية أخرى وتبقى الموظفة المسكينة تعيش في نفس الدوامة.
ولعلك عزيزي القارئ تظن أنني رجعي ومتخلف وأصولي وراديكالي، وأني أدعو المرأة الى أن تجلس في البيت لتربي أبناءها بدلاً من تربية أبناء الآخرين، أو أني أدعوها أن تتفرغ لغذائهم بدلاً من الحليب المُذاب في الماء الذي يشربونه على يد خادمة لم تحبهم يوماً. حاشا وكلا! فأنا حداثي وتفكيكي وعدمي جداً ومتفهم لوضع الحضارة وأنه يجب على المرأة أن تثبت ذاتها حتى ولو نست ذات أبنائها، كما أني أملأ جدران منزلي بصور سريالية وتكعيبية لا أفهم منها شيئاً، وأرتدي قبعة فرنسية وأشرب قهوة أميركية وأسمع موسيقى كلاسيكية، وقد قرأت حقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الاقتصاد وحقوق العمل، ولكن كل ما أردت قوله هو (أين حقوق الأطفال؟) فليس الإرهاب فقط من يهدد الأطفال ولكن غياب أمهاتهم عنهم في سني العمر الأولى.
ربما عندها ستتفهم لماذا كثير من النساء عندنا مصابات بالاكتئاب كما ذكرت إحدى الإحصائيات.
ببساطة لأن الروح تلهث وتلهث وتلهث خلف تفاصيل الحضارة!
فإما أن توفروا لهن الخدم بأسعار معقولة، وإما أن توفروا لهن علاج الاكتئاب في الصيدليات، فلا يعقل أنهن لا يستطعن أن يربين أبناءهن بسبب الوظيفة ولا يستطعن أن يجلبن لهم من يربيهم براتب هذه الوظيفة.
والآن عزيزي القارئ حان الوقت لكي أجيب عن سؤال (أين تقع الطبقة الوسطى في خريطة المجتمع؟)...إنها تقع على رقبتها.
كاتب كويتي
moh1alatwan@