د. ياسر الصالح / وأيضاً...يا سمو الرئيس

تصغير
تكبير

خاطبنا في مقال سابق سمو رئيس مجلس الوزراء بـ«ماذا لو كان يعلم» ما تفعله أم عادل وزيرة التعليم العالي بالتعليم العالي، ولكننا وجدنا وقد عادت وزيرة، رغم ما أجمعت عليه نقابات العاملين في التعليم العالي، وهم الممثلون الشرعيون للدكاترة الاساتذة والباحثين في الجامعة والتطبيقي ومعهد الأبحاث من أن الوزيرة أم عادل لا تصلح أن تكون وزيرة. ولكننا لن نيأس من الإصلاح رغم ما نشعر به من إحباط...

في هذا المقال سنتطرق، كما وعدنا، لممارسات رأس الهرم في مؤسسة التعليم العالي التي كنا قد كتبنا عنها في مقالات سابقة، فقد ذكرنا بأن مدير هذه المؤسسة كان قد تم تعيينه «بليل» وأثناء سفر وزير التعليم العالي السابق وبدفع من وزير تأزيم رحل بفيتو لـ«التكتل الشعبي» قبل الأزمة الوزارية الأخيرة، ووزير آخر رحل بعد إعفائه أخيراً، مدير هذه المؤسسة الذي تم تهريبه ليجلس على رأس الهرم فيها أدخلها في نكبات متتابعة حتى غدت في خلال الأشهر المعدودة من عهده الميمون شغلاً شاغلاً لأعضاء مجلس الأمة وخصوصاً للجنتي الشكاوى والتعليم، وكذلك لأجهزة المحكمة الادارية وقضاتها، ولمحرري شؤون التعليم العالي والمحليات في الصحف، وكذلك لكتاب الرأي وأخيراً لفضائية «الراي»، فما هي هذه الكوارث والنكبات التي سببها هذا المدير؟

بالطبع، لا نستطيع إلا أن نذكر أمثلة في مقالاتنا، وسنترك الكثير الباقي، والذي قد لا يقل كارثية، إلى ملفات الاستجواب التي علمنا بأنه يتم إعدادها من قبل بعض أعضاء مجلس الأمة وبحماسه شديدة، فرغم ما مارسه هذا المدير من تعديات على حقوق أعضاء هيئة التدريس في غصب حقوقهم في المناصب الإشرافية وإغداقها على المحاسيب، فإن أكبر جرائمه تكمن في أنه أخذ يلاحق من اعترض منهم، وذلك بتشكيله لجان تحقيق صورية لتحقق في تهم مفتعلة من قبيل «أن فلان من أعضاء هيئة التدريس لا يسلم على فلان»، فيقوم المدير بتحويل هذا المعارض الذي «لا يسلم» إلى التحقيق، أو أنه يقوم بتحريض شخص أو أكثر من محاسيبه من حملة الدرجات العلمية الأدنى، بكالوريوس مثلاً، ليتقدموا بشكوى كاذبة على دكتور أعلى منهم بالدرجة العلمية يشغل منصبه التدريسي منذ أعوام طوال، وذلك بتهمة أنه يعمل في مجال غير تخصصه فيقوم بتحويله للتحقيق في خطوة مكشوفة لا يمكن أن تمر على المحكمة الادارية أو لجنة التحقيق البرلمانية، أو أنه يقوم بتحويل بعض المعارضين من النقابيين من ممثلي أعضاء هيئة التدريس للتحقيق وإصدار الأحكام التعسفية ضدهم، كمثل أنهم «غير أكاديميين» رغم أنهم حملة لشهادة الدكتوراه من أفضل الجامعات العالمية، وأمضوا في وظيفتهم ما يناهز العشرين عاماً، ولهم أبحاث منشورة على المستوى العالمي، ولا نود هنا في هذا المقال البحث في المؤهلات الأكاديمية لهذا المدير ومستوى الجامعات التي تخرج منها أو المستوى العلمي للمطبوعات والدول التي نشر فيها أبحاثه، والتي سنكشفها في وقت آخر، وسنكتفي في هذا السياق بأن نطرح عليه السؤال التالي: هل تكفي المؤهلات التي يحملها هو الآن لتعيين شخص بمنصب عضو هيئة تدريس عادي في المؤسسة التي يديرها، ناهيك عن تعيينه بمنصب مديرها العام وهي إحدى أكبر مؤسسات التعليم العالي؟

هذا المدير تمادى حتى وصل به الحال ليتشفى بأقارب أعضاء هيئة التدريس المعارضين، أبناءهم وبناتهم ممن يدرسون في المؤسسة نفسها، ليفتعل المشاكل لهم ويحولهم إلى لجان التحقيق الصورية كآبائهم ويطبق عليهم عقوبة «الحرمان» من درجاتهم، والذي هو في تقديرات الطالب الرسمية يعتبر أسوأ من الرسوب، وهذه الممارسة أي التشفي بالأبناء والبنات، لم نعهدها من أخلاق الكويتيين الذين يربأون عن إشراك الأبناء والعائلات في خلافاتهم الادارية أوحتى الشخصية، ولكن بماذا عسانا أن نعلق...فكل إناء بالذي فيه ينضح...

هذا كله بالإضافة إلى ظاهرة شكاوى التزوير في الدرجات التي استشرت في عهده وكذلك مشاركته الشخصية في تمرير ترقيات غير مستحقة للمحاسيب كترقية «البرفوسور» التي تحدثنا عنها في مقال سابق وغيرها كثير، وكلها تجاوزات موثقة وتوجد أسئلة برلمانية عنها أو شكاوى للنيابة، ولكن ما يميز عهد هذا المدير بالذات هو ما يبدو كأنه تشجيع الممارسات اللاأخلاقية، وسنضرب مثالاً، ولن ننفي أو نثبت علاقته بما أثير أو يثار في الاعلام في هذه الأيام عن حالات قد تكون مشابهة...

الواقعة تقول إن أحد العاملين في المؤسسة تم كشف أمره للإدارة بأنه ضبط متلبسا بممارسة الرذيلة وحيازة المواد المخدرة من قبل جهات رسمية (شرطة الآداب) في بلد إقليمي، وأن هذا الشخص قام بالكشف عن واستخدام صفته الأكاديمية وانتسابه للمؤسسة، وذلك في محاولة منه لطلب تخفيف العقوبة عنه، وهي خطوة تتسبب بلا شك بتشويه سمعة هذه المؤسسة، وربما سمعة منتسبيها كذلك في الخارج، ولكن وبعد اطلاع إدارة المؤسسة على تفاصيل هذه القضية، وعلى شواهد لممارسات لا أخلاقية أخرى يقوم بها هذا الشخص في مجال العمل من مسجات وبلوتوث وصور توضح وتبين كلها السلوك المشين الذي يمارسه هذا الشخص ويعيشه، فماذا يفعل هذا المدير؟ ما فعله المدير هو أنه أسبغ على هذا الشخص منصباً إشرافياً كان مستحقاً لغيره من ذوي السمعة والسلوك المحترم  بالإضافة إلى الأقدمية في التوظيف وعلو الدرجة العلمية... بالطبع تصرف هذا المدير غريب... ولكنه سيزداد غرابة... فبعد فترة من تعيين هذا الشخص في المنصب الاشرافي، ورغم ازدياد الشكاوى ضده ووصولها إلى الوزيرة ولمجلس الأمة، ورغم ذلك يتم إرسال هذا الشخص في مهمة سرية خارج البلاد، ونقول «سرية» لأنه غادر البلاد وتغيب عن العمل من دون إصدار قرار رسمي معلن كما هو متبع في العادة، وبالإضافة إلى عدم الإعلان تم نفي الإدارة علمها بسفره عند السؤال من قبل أعضاء  في القسم الذي يعمل فيه، ولكن عندما ووجهوا بمعلومات منافذ المطار ما كان منهم إلا أن قاموا بخطوة أثارت الريبة، وهي إصدار قرار بأثر رجعي عن مهمة رسمية يقوم بها هذا الشخص خارج البلاد من دون توضيحات إضافية، ولكن ما هي طبيعة هذه المهمة؟ بقي الأمر سراً إلى أن كشفه الشخص نفسه في تصريح لإحدى الصحف بعد أسابيع...مهمته «السرية» التي أرسله فيها مدير المؤسسة هي للتعاقد مع سيدات «فنانات» من إحدى دول الاتحاد السوفياتي السابق ليقوموا بتدريس بناتنا وأبنائنا «الفن»...علماً بأن هذا الشخص كان قد وظف قبل أشهر وبموافقة المدير بعض «الفنانات»، كذلك من إحدى دول أوروبا الشرقية...طبعاً كلتا الدولتين، مع احترامنا لشعوبهما عموماً، إلا أنهما تشتهران عالمياً بتصدير «فن الوناسة».

لا شك بأن هذا المدير وضع نفسه من خلال هذه الممارسات في موضع الشبهة، وإلا كيف يمكن تفسير هذا السلوك المريب كله؟ لا ندري ماذا نقول بحق من ائتمنه أهل الكويت على أبنائهم وبناتهم، وهل كان ليقبل وضع بناته وأخواته في مثل هذه الأجواء مع أشخاص من هذا القبيل، وهل وضعه العائلي سيكون طبيعياً لو علمت زوجته أو والده المعروف على مستوى البلد بتوجهاته الدينية، وهو صاحب الفضل الأكبر في وجود ولده في هذا المنصب، هل أنه سيأخذ الأمر وكأنه لم يكن...إننا هنا وبعد عرض هذا الواقع المأسوي في إحدى أهم مؤسسات التعليم العالي نود أن نعيد السؤال على رئيس مجلس الوزراء وننتظر منه الفعل: «ماذا لو كنت تعلم يا سمو الرئيس؟».

سؤال أكاديمي منفصل

لماذا لا يتم فتح مكاتب لملحقيات ثقافية في كل من دولتي بولندا وروسيا لتسهيل التعاقد مع الأستاذات البولنديات والروسيات المزمع تعيينهن في القطاع الأكاديمي عندنا كأعضاء هيئة تدريس؟


د. ياسر الصالح


أستاذ التخطيط الاستراتيجي ونظم المعلومات

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي