الرأي اليوم / ليتهم يا أوباما ... ما سمعوا صوتك

تصغير
تكبير
رئيس الولايات المتحدة السيد باراك أوباما

أبعث لك هذه الرسالة بغض النظر عن اسمي وديني وانتمائي وموقعي الجغرافي ومهنتي... أبعثها لك أيضاً بغض النظر عن اسمك ودينك وانتمائك وانتماء والدك وجدك، بغض النظر عن قدراتك التنظيرية ومهاراتك اللغوية وبراعتك في الكلام والتبرير.


أبعثها إليك من إنسان، مجرد إنسان، بحكم موقعك رئيساً للدولة التي تلعب الدور الرئيسي في الأحداث العالمية... أبعثها إليك بحكم كونك الرئيس الذي قال للسوريين إنه يسمع صوتهم.

قبل أن أبدأ، أذكرك يا سيد أوباما أن الركيزة الإعلامية لحملتك الانتخابية الرئاسية في بنسلفانيا عام 2008 كانت بعنوان «الأم» وتحدثت فيها عن والدتك التي توفيت عام 1995 عن 53 عاماً بسبب إصابتها بالسرطان. وشرحت في إعلان مدته 30 دقيقة كم عانت في الأشهر الأخيرة من حياتها وكم كانت قلقة من فواتير علاجها الطبي أكثر من الحصول على العناية.

تعاطف الأميركيون كثيراً مع قصة والدتك ومعاناتها، أشعرهم حزنك عليها وهي التي توفاها الله في سريرها وبين أهلها وبعد علاج مطوّل في مستشفيات محترمة ورعاية طبية متقدمة، بضرورة الثورة على النظام الطبي والتأمينات وضرورة تقديم الإنسان كإنسان على أي شيء آخر. انهمرت دموعهم وهم يتذكرون كلماتك عن انتظار والدتك بخوف للفواتير الكبيرة وكيف أثّر هذا الخوف سلباً على مشاعرها وطريقة تفاعلها مع العلاج... وكله مفهوم ومبرر.

أعود إلى موضوع رسالتي يا سيد أوباما، إلى السوريين الذين تبتلعهم البحور والمحيطات وتجعلهم طعاماً للأسماك.

إلى السوريين الذين يعلقون في أسلاك الموت الشائكة وهم يعبرون الحدود فينزفون حتى الموت وترسم دماؤهم حدود العار العالمية.

إلى السوريين الذين يهربون في خزانات الشاحنات والباصات فيصل بعضهم جثة هامدة وبعضهم الآخر جثة متفحمة.

إلى السوريين في معسكرات العزل الأوروبية الشبيهة بمعسكرات النازيين حيث تقايض السلطات كرامتهم وإنسانيتهم بورقة لاجئ.

إلى السوريين الذين يوضعون في المحاجر كأنهم وباء.

إلى السوريين الذين يقفون أمام عدسات الكاميرا فتقول طفلة الأعوام الستة إنها لم تعرف في حياتها طعم البسكويت أو الحلوى ويقول ابن العاشرة إنه يلمّع أحذية المارة من أجل كسرة خبز.

لن أتكلم في السياسة، لكنني أقول إن سوريين تركوا بلادهم لأسباب تعرفها يا سيادة الرئيس أكثر من غيرك، واضطروا للسير بين الجبال والوديان للوصول إلى شواطئ المجهول، ودفعوا تعب العمر لتجار الموت محشورين بالمئات في قوارب بدائية متهالكة انقلبت بمن فيها عند أول موجة عالية أو بسبب مطاردة فرقاطات دول الجوار لهذه القوارب، ثم أبلغت جثث الأطفال الطائفة على سطح المياه العالم بانتهاء الرحلة، فمن لم يمت بالبراميل المتفجرة وقصف الطيران والمدافع والرصاص والسكاكين مات غرقاً.

هؤلاء بشر مثلهم مثلك، مثلي، مثل أي بشر آخر، خلقهم الله لتكون فرصهم في الحياة والعلم والعمل والغذاء والدواء والأمن والاستقرار متساوية أو شبه متساوية، والغرب بقيادتك تحديداً كان يعرف أن الأزمة في سورية من يومها الأول أزمة إقليمية – دولية تداخلت فيها مطالب الناس مع الصراع في المنطقة وعلى المنطقة، وصولاً إلى المقايضات الدولية بين مختلف الأقطاب وخصوصاً بينكم وبين روسيا... كنتم تعرفون ذلك وتركتم الأمور تنهار في حرب تفاوضية وقودها قتلى وجرحى ومهجرون، تارة لإثبات أن الديكتاتورية قدر، وطوراً لإثبات أن ظاهرة التطرف تتجلى في أبهى صورها عند مجتمعاتنا، ومرة لإعادة تغيير خرائط المنطقة، ومرة لتمرير اتفاق نووي، ودائماً لإراحة إسرائيل والحفاظ على تفوقها.

لا أريد أن أتكلم في السياسة وإن كنت فعلت ذلك عرضاً فلتحديد المسؤوليات، لكنني أسألك هل كتب على السوريين أن يتآمر العالم عليهم داخل بلادهم لقتلهم أو لغض النظر عن قتلهم؟ وأن يتآمر العالم نفسه على قتلهم وهم ينزحون من الموت في بلادهم؟ طرق البحر يا سيد أوباما معروفة ومكشوفة ورادار واحد متطور في قبرص يكشف المتوسط كله، فلماذا التغاضي عن ركوبهم وسائل بدائية ولماذا التسبب في قتلهم عن طريق ملاحقتهم؟ وطرق البر معروفة ومكشوفة أيضا فلماذا تنضم شاحنات الموت إلى قوارب الموت؟

نراك تخرج في وسائل الإعلام الأميركية إذا قتل أميركي أميركياً آخر بمسدس لتتحدث عن حيازة السلاح الفردي وكأنك تتحدث عن كارثة وطنية، وتشحذ همم المشرعين لإقرار قوانين تمنع هذه الحيازة... أنت ترفض أن يتسبب مسدس في إزهاق روح فأخبرنا بالله عليك عن ازدواجية المشاعر وأنت ترى كل ترسانة العالم المسلحة تحصد أرواح نصف مليون سوري، وكل عار العالم يلاحق من بقي منهم حياً في البحار والبراري؟

أعود إلى 2008، وأتذكر مع الأميركيين والعالم كلماتك عن معاناة والدتك مع المرض وكيف أثّر خوفها من فواتير العلاج سلباً على مشاعرها وطريقة تفاعلها مع العلاج... السوريون يحلمون اليوم بالموت في أسرتهم وبلا علاج، أما خوفهم من فواتير الإبادة فلا يجد طريقاً إلى مشاعرك.

أقول هذا الكلام وأشك في أن يصلك، أو أن يوصله أحد لك. ليتك تنسى أنك ستغادر الرئاسة وليتك تنسى الرئاسة والحزب الديموقراطي وحسابات السياسة والربح والخسارة وتتذكر حساب الله في مأساة السوريين، خصوصاً اللاجئين الضحايا، وأنت تستحضر نظرة الهلع لدى أمّ في مركب بدائي جرفت المياه طفلتها، وصوت الطفلة تستغيث بوالدها، وجثة والدها الذي فضل رفقة طفلته ميتاً على العيش في ذل الذكرى.

تذكر حساب الله وأنت الذي قلت للسوريين قبل أعوام إنك تسمع صوتهم... ليتهم ما سمعوا صوتك.

جاسم مرزوق بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي