لست من المتشائمين كثيرا امام قضايا الشرق الأوسط، ولست ضد اي نشاط ديبلوماسي عربي يقوم على ترتيب هيكلة البيت العربي من جديد، سواء على المستوى الاقليمي او العالمي.
ولكن يبدو ان الواقع العربي هو الذي يفرض نفسه للحكم على ذلك، بدليل ان القوى العربية حاليا هي التي تحاول لملمة اوراقها من جديد لتنسيق مواقفها على أمل ان تصل إلى الحد الأدنى من «التوافق العربي المتضامن»، وذلك للمشاركة في اي مؤتمر مقبل ينصر القضايا العربية العالقة، ولكن على اي حال يبقى تعدد القمم العربية ما بين ثنائية وثلاثية ورباعية في خانة «مبعثرة»، رغم ان مناقشة القضايا العربية والاقليمية هي من اولويات الجهود الرامية إلى احلال السلام في منطقة الشرق الأوسط.
لا تزال الصورة العربية للمشاركة في مؤتمر السلام (المرتقب عقده في مدينة انابوليس الأميركية) غير واضحة فالتوافق العربي يحتاج إلى قرار حاسم ومتضامن بعد سنوات من الجمود السياسي في عملية السلام، لذا يحتاج مؤتمر «انابوليس» الذي دعا اليه الرئيس الأميركي جورج بوش إلى لقاءات عربية تشاورية مكثفة للوصول إلى توافق عربي مشترك هناك ولكن من الملاحظ ان جولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بين الدول العربية هي رسالة للاشقاء العرب تفيد ان اسرائيل لاتزال تعوق عملية السلام فالمباحثات الفلسطينية - الاسرائيلية دائما تصل إلى طريق مسدود، والآن تحاول القيادة الاسرائيلية العمل على افشال اهداف مؤتمر انابوليس حتى لا تكون هناك فرص تاريخية لفتح صفحة جديدة في ملف الشرق الأوسط، خصوصا فيما يتعلق باقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. لقد تناست القيادة الاسرائيلية سيادة دولة كاملة على أرض فلسطين التي احتلت في يونيو عام 1967 إلى جانب دولة اسرائيل، وتغاضت النظر عن مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة التي تبلغ 6205 كيلو مترات مربعة في فلسطين، وقامت ببناء الجدار العنصري البغيض وتوسعة المستوطنات حتى تهدم امال الشعب الفلسطيني على ارضه، والان تحاول القيادة الاسرائيلية التشكيك في النوايا العربية قبل انعقاد مؤتمر السلام المقبل للالتفاف على التزاماتها الدولية تجاه القضية الفلسطينية، وبذلك تخرج من مأزق المرحلة الاولى من خارطة الطريق فالسلام والامن لا يمكن ان يتحققا في ظل الاجراءات العدوانية من طرف العدو الصهيوني، هناك فجوات أصبحت ظاهرة بين مواقف الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني فكيف لنا ان نتحدث عن امكانية نجاح مؤتمر انابوليس، فضلا عن فقدان الحلول الاميركية للقضايا الجوهرية للصراع بين الطرفين، واللجنة الرباعية الدولية ايضا امام مهمة في غاية الصعوبة فكيف لها ان تضع آلية ناجحة للتنفيذ كخطوة لتفعيل مبادرة السلام العربية مع قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
نعم هناك جهود مكثفة من القيادة الفلسطينية لانجاح مؤتمر انا بوليس المقبل حتى ينتهي مسلسل الاعمال الدموية في قطاع غزة، وتعود الامور إلى ما كانت عليه قبل 15 يونيو الماضي وهو المطلب الذي وضعه الرئيس محمود عباس كشرط اولي للصلح بعدما عجزت حركة فتح عن استعادة السيطرة على غزة بالرغم من امتلاكها الثقل الشعبي، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس يرى بعد هذه الاحداث الاخيرة في غزة التي شهدها مهرجان الوفاء لاحياء ذكرى رحيل ياسر عرفات وتدهور الاوضاع من جديد، ان حركة حماس تحاول التسريع في اقامة كيان انفصالي معزول لتهيمن هي على قطاع غزة وحدها وبذلك تكون قد تناست بذور الديموقراطية التي زرعها الرئيس الراحل ياسر عرفات، لتشوه مبدأ الكفاح الوطني الفلسطيني، بينما في المقابل ترى قيادة حماس ان مبادراتها السلمية مع عباس تصطدم بالرفض مقابل شروط تعجيزية اولها عدول حماس بالانقلاب والاعتراف بشرعية حكومة فياض التي تعتبر «غير شرعية»، ناهيك عن غضب حركة حماس على تواطؤ القيادة الفلسطينية مع الاحتلال لسكوتها عن الحصار المفروض عليها في قطاع غزة، حتى وان كان حصارا غذائيا او دوائيا.
ان القيادة الفلسطينية مطالبة بضرورة تطبيق الوحدة الوطنية لمجابهة الاخطار التي تحيط بالقضية الفلسطينية حتى لا يكون هناك ملل عالمي من هذه القضية، فما نشاهده في الساحة الفلسطينية الآن هو حوار من اجل الصراع، وليس صراع من اجل الحوار! فكيف لنا ان نعبر عن صدق النوايا التي تؤدي في النهاية إلى تحقيق حلم الدولة الفلسطينية.
تتراكم هذه الايام عن انباء تشاؤمية حول مؤتمر انابوليس الاميركي، خصوصا حول الملف الفلسطيني وذلك لعدم التوصل إلى اي اتفاق مبدئي بين الفلسطينيين والاسرائيليين بشأن القضايا التي تخص البلدين، فلا تزال المحادثات التمهيدية لانجاحها لم تحقق اي تقدم ملموس لوجود مصاعب وعقبات تعرقل الاتفاق على جدول اعمالها من بينها «المطالبة بان يعترف الفلسطينيون باسرائيل كدولة يهودية». من اجل تعزيز موقف اسرائيل الرافض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى تخومها، مع فرض الفكرة الاسرائيلية المبتكرة في ان تكون «فلسطين دولة ذات حدود مؤقته»، ومن هذا المنطلق نتساءل عن كيفية تنفيذ مراحل خطة خارطة الطريق؟!
نعم ان مؤتمر السلام المرتقب يمثل فشلا مقبلا بسبب وجود خلافات سياسية في القضايا الجوهرية بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني رغم حرص الولايات المتحدة الاميركية على انجاحها بجميع الطرق الديبلوماسية، من ضمنها عدم التوصل حول صياغة وثيقة مشتركة تمهيدا لعرضها على المؤتمر، لذلك فالطرح السياسي الذي يواجهه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال زياراته الاخيرة لبعض الدول العربية لا تتسم بالمرونة، اي انه مليء بالصعوبات وكأن المؤتمر اصبح في عنق الزجاجة مبكرا وبالتالي فقد بات يخشى الرئيس عباس ان يواجه مصيرا مماثلا للمصير الذي لقيه سلفه الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد ان اكتشف ان الادارة الاسرائيلية لا تريد السلام اصلا في اكثر من مناسبة، وان اساليبهم الملتوية اصبحت مكشوفة!! من خلال اللعب في القضية الفلسطينية على وتر واحد! وهو الامر الذي جعله يصل إلى مرحلة اليأس ليحمل نهجا مختلفا عن السابق في تعامله مع القضية الفلسطينية بحيث انه ماض في تشدده السياسي عند بدءه بالمفاوضات مع إسرائيل في مؤتمر السلام المقبل.
فهل ينجح الرئيس محمود عباس في طرح برنامجه السياسي على طاولة مؤتمر انابوليس من دون ثقل عربي سياسي، ام ان تشدده السياسي ورفضه بتقديم تنازلات قد يجعل المؤتمر في مهب الريح؟!!
«لكل حادث حديث»...
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
alfairouz61_alrai @ yahoo.com