بعد فترة طويلة من الركود، لجأ صاحب مصبغة ذاتية الخدمة اسمها «قوس قزح» إلى قسم إدارة الأعمال في جامعة واشنطن أدفنتست في مدينة سيلفر سبرينغ بولاية ميريلاند الأميركية، طالباً مساعدته في إنعاش تجارته. استقبلت الجامعة طلب المساعدة في العام الدراسي الحالي 2015/2014 من خلال برنامج أنشأته قبل سنوات عدة لتعزيز جهودها لخدمة المجتمع وترسيخ علاقتها مع سوق العمل.
هذه الاستشارات المجانية يتعاطى معها الطلبة من خلال بعض مقررات سنة التخرج ومن بينها مقرر «مشاريع»، ويتعامل الطلبة مع تلك الطلبات وفق المعارف والمهارات التي اكتسبوها في الكلية، وقد تتطلب بعض الحالات تطبيق الحلول - التي يقترحها الطلبة - بعد الحصول على موافقة صاحب المؤسسة التجارية، ثم قياس نتائجها ومدى تحقيقها للأهداف المنشودة.
وبالفعل كلف عدد من طلبة مقرر «مشاريع» بمهمة التعامل مع مشكلة المصبغة، والذين بدورهم اجتمعوا في المصبغة مع صاحبها لمعرفة أبعاد المشكلة وتجميع البيانات المتعلقة بالمؤسسة والبيئة المحيطة بها. وبعد تحليل تلك البيانات، قدم الطلبة عشرات المقترحات والتي تفاوتت من مجرد تغيير شعار المصبغة إلى توفير خدمة دروس خصوصية مجانية لأبناء المهاجرين المنتشرين في الأحياء المجاورة للمصبغة.
وبعد دراسة نقاط القوة والضعف في المصبغة وتحديد الفرص المتاحة والتهديدات المحتملة، تقرر تطبيق فكرة الدروس المجانية داخل المصبغة، أثناء انشغال أولياء أمورهم بغسل ملابسهم، واتفقوا على أن يقاس المردود المالي للفكرة بعد مرور فترة كافية على تطبيقها.
وحيث إن الاستشارة لم يخصص لها أي ميزانية، اضطر الطلبة للتواجد في المصبغة مساء كل خميس خلال ساعات معلنة، لمساعدة الأطفال في المرحلة الابتدائية من الأسر ذات الدخل المنخفض والمهاجرين - المقيمين بصورة شرعية أو غير شرعية - على أداء واجباتهم المدرسية لمقرر الرياضيات وتطوير مهاراتهم في اللغة الإنجليزية.
وبعد مرور أسابيع قليلة وصل عدد المستفيدين بصورة منتظمة من الخدمة المجانية إلى 20 طالباً، وتزامن مع ذلك زيادة عدد عملاء المصبغة حتى في أيام غير الخميس ومن قبل أفراد وأسر غير تلك المستفيدة من الفكرة، لقد نمّت الدروس الخصوصية الشعور بالمسؤولية لدى صاحب المحل تجاه مجتمعه المجاور، كما خلقت درجة من الولاء في نفوس العملاء نحو المحل الذي خدمهم في تعليم أبنائهم أو أبناء جيرانهم.
هذه الشراكة التي خلقتها الجامعة مع المجتمع وسوق العمل نجحت لأنها تشكلت بعد مراعاة مصالح جميع أطرافها. فبالإضافة إلى ملاك المشاريع التجارية الصغيرة والأسر المنخفضة في دخلها، تعتبر الجامعة أيضا من بين الاطراف المستفيدة من الشراكة. نعم، لأن تلك الاستشارات وفرت للجامعة فرصاً مثالية ومجانية لتدريب طلبتها على ممارسة المهارات والاستفادة من المعارف التي اكتسبوها في فصولها ومختبراتها، كما أنها أتاحت الفرصة لتطوير الدكاترة من خلال تمكينهم من الاطلاع المباشر على مستجدات السوق المرتبطة بتخصصاتهم، فضلاً عن توفير بيئة مناسبة لتطبيق آرائهم الأكاديمية على أرض الواقع ورصد آثارها ثم نشر نتائجها في مجلات ومؤتمرات علمية، ولا ننسى أن تنمية مهارات الكادر التدريسي لها آثارها الإيجابية على جودة الخريجين، التي ستجني ثمارها سوق العمل وتباعاً المجتمع.
هذه الشراكة بين التعليم وبين مؤسسات الدولة ليست مقتصرة على الولايات المتحدة الأميركية بل إنها شاعت في جميع الدول المتقدمة، ولكن في الدول النامية - كالكويت - تجد أن الشراكة مع مؤسسات التعليم ناقصة وتقتصر على حالات فردية أو استثنائية، لذلك تجد بأن هناك أقساماً علمية، تشبّع سوق العمل بخريجيها، إلا أنها لا تزال تستقبل طلبة مستجدين وتزود سوق العمل بخريجيها، بل وأنها تُعيّن أعضاء هيئة تدريس جدد، وفي المقابل تجد أقساماً أخرى تتميز بدرجة عالية من الاندماج مع السوق والمجتمع ولكن تبقى شراكتها غير مكتملة إذا ما قورنت بنظيراتها في الدولة الصناعية.
علينا أن ننمّي شراكات التعليم العالي في الكويت، ونجتهد في اللحاق بركب عجلة تطور المؤسسات التعليمية العالمية، ولكن ذلك لا يمكن أن يتحقق بوجود بعض الأعضاء في مجلس الأمة لا يؤمنون بأهمية التعليم ولا بالشراكة معه، فتجدهم يتعسفون في رفضهم لميزانية ملحقة بمقدار 10 ملايين دينار للتعليم التطبيقي، سبق أن وافقت وزارة المالية عليها، في حين أنهم وافقوا على تمرير ميزانيات جهات أخرى، رصد ديوان المحاسبة ملاحظاته العديدة عليها، مقابل تعهد وزرائها المعنيين بمعالجة مخالفاتها ومن بينها تجاوزات متكررة منذ سنوات. فوراء الأكمة ما وراءها.
[email protected]