رؤية ورأي

مقوّمات التصدّي لـ«داعش»

تصغير
تكبير
يرى المحللون بأن الحواضن الشعبية لتنظيم «داعش» تعتبر من أبرز أسباب نجاحه في التمدد واحتلال المساحات الشاسعة في العراق وسورية. حيث تشير الدراسات إلى أن تحركات التنظيم القتالية تعد، بعد تقييم خريطة انتشار حاضناته الشعبية، وبعد التحقق من نطاق «شبكة تعشش أفكاره» في عقول وقلوب سكان المناطق التي يستهدفها. أي أن «داعش» يعمل على أسر الشعوب فكرياً قبل احتلال أراضيهم عسكرياً. ومن أبرز الشواهد على تلك الإستراتيجية، تسلسل الاحداث في محافظة الموصل وصولاً إلى الاستيلاء عليها قبل عام ونيف.

لقد لجأ الدواعش إلى كسب التعاطف الشعبي في الموصل من خلال تعزيز البعد الطائفي للمشاكل التي كانت تعاني منها المحافظة. فقد تظاهر أهالي الموصل لأشهر عدة - قبل الاجتياح - ضد حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق، بحجة تهميش السنة في العراق، فضلاً عن اتهام الحكومة الاتحادية بالولاء لإيران. لست بصدد الخوض في صحة تلك الذرائع من عدمها، ولكن القدر المتيقن أن الموصليين كانوا يعتقدون بأن «داعش» طوق نجاتهم من الظلم والقهر السياسي والاقتصادي. والحكومة العراقية لم تفلح في احتواء تلك الأزمة، خاصة وإن بعض القنوات الفضائية تمكنت من ترسيخ الإحساس بالاضطهاد الطائفي لدى الاغلبية السنية في الموصل. تلك البيئة التي سادت لفترة طويلة، كانت كفيلة بخلق وتنامي الحاضنة الشعبية للدواعش، ومهدت «لغزوة الموصل» التي اعتبرتها ذات القنوات الفضائية، ثورة العشائر العراقية على الظلم والطغيان.


إذا ربطنا هذه المقدمة بواقع المجتمع الكويتي قبل الحادث الإرهابي في مسجد الإمام الصادق عليه السلام، وتذكرنا درجة الاحتقان الطائفي الذي كنا نعاني منه في تلك الفترة، لتيقنا بأن تفكك نسيجنا المجتمعي هو من بين ما شجع «داعش» على استهدافنا. ولعلمنا بأن تكرار محاولاته المستقبلية لتفجير مساجدنا مرتبط بصدى جريمته الأولى والموقف الشعبي منها. ولاستنتجنا بأن غاية الارهاب الداعشي هي النيل من شرعيتنا ووطننا، وأما تأجيج الفتنة الطائفية ليس إلا هدفه المرحلي.

المؤامرة الداعشية على الكويت كانت تتضمن حملة إعلامية واسعة - ركيزتها وسائل التواصل الاجتماعي - تعقب التفجير، لتبرير وتمجيد قتل «عملاء الفرس في معبدهم». ولكن الزيارة السامية لموقع استشهاد السجد العبد، بترت خطتهم الشيطانية. مبادرة أبوية فجرت تعاطفاً شعبياً كبيراً مع الضحايا، فرسم الكويتيون ملاحم وطنية عدة في لوحات إنسانية تحكي التزاحم للتبرع بالدم وللمشاركة في إسعاف وعلاج الجرحى. وكذلك مراسم تشييع الشهداء، ثم عزائهم في مسجد الدولة الكبير، فكانت أقرب ما تكون لمشاهد من أوبريت «الكويت أقوى من الإرهاب».

الإرهاب المنظم الذي طال الكويت في مساجدها، أثبت بأن الكويت بحاجة ماسة لتعزيز الروابط بين أطيافها المجتمعية من خلال محورين رئيسين مكملين لبعضهما البعض: الأول إكثار مظاهر الوحدة الوطنية، والثاني ترسيخ مقومات ومكونات الوحدة الوطنية ومنها مبادئ العدالة والمساواة واحترام الآخر. بالرغم من تميزنا وإبهارنا للمجتمع الدولي في المحور الأول من خلال ما أسلفت من لوحات ومشاهد، إلا إنها لا تسد القصور الشديد الذي نعاني منه في المحور الثاني. فالمحور الأول آني المفعول ولكن منافعه لا تدوم، والثاني تتأخر ثماره ولكن حصاده تكاتف اجتماعي مستمر يحصننا من شبح الفتن الفئوية المستقبلية، كما هي الحال في المجتمعات المدنية المتحضرة.

من بين الأمور المستعجلة ضمن المحور الثاني، هناك حاجة لتكريس قيم الولاء والانتماء للوطن من خلال التزام الدولة بتشريع قوانين لتطبيق وممارسة مواد الدستور ذات العلاقة، ومنها المادة (29) التي تنص على أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين». فمازلنا نعاني، ونحن في الألفية الثالثة، من بعض الثقافات المتطرفة التي تعتبر التمييز العنصري أو الديني من الثوابت والقيم التي لا يجوز التعرض لها. وهذه الثقافات ليست مقتصرة على مواطنين بسطاء، بل تتبناها سياسياً وتستثمرها انتخابياً رموز وقيادات في العديد من التيارات السياسية. ومنهم من كانت له أخيراً تغريدات طائفية غير مسؤولة، معاكسة لجهود تكثيف صور التراحم الاجتماعي المعادي لجريمة «داعش»، كادت أن تعرض أمن الكويت وسلامة الكويتيين لخطر تفجيرات داعشية أخرى.

مثال آخر على أن الاحتقان الطائفي المزمن في الكويت وراءه تيارات سياسية ذات امتداد إقليمي، ومنخرطة في صراعات الشرق الأوسط. تيارات لا تملك أن تكون جزءا من مشروع وطني لنبذ الطائفية.. ولذلك شغلتنا كثيراً في مظاهر الوحدة ولكنها مازالت عاجزة عن التعاطي مع مقومات الوحدة الوطنية.

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي