خواطر صعلوك

ما لا تتحمّله السخرية !

تصغير
تكبير
كان الصباح عادياً ككل صباح يمر على هذا الوطن الاستثنائي، دخلت الحمام لأتوضأ فلم أجد ماءً، وعندما فتحت خزانتي لم أجد ملابسي... فخرجت عارياً... كنت خائفاً من أن يراني جيراني، ولكن جميع سياراتهم بما فيها سيارتي لم تكن موجودة.

ذهبت للعمل سيراً على قدميَّ بلا حذاء فقد نسيت أن أقول لكم إني لم أجده أيضا، وفي الطريق لاحظت أن العصافير تريد أن تغرد ولكنها لم تجد أغصاناً... والقطط تريد أن تتسكع ولكنها لم تجد أرصفة... والنباتات تريد أن تنمو ولكنها لم تجد مطراً.


الطلاب أرادوا الذهاب إلى المدرسة فلم يجدوا مدارس، وعندما رددوا النشيد الوطني لم يجدوا عَلماً.

شرطة المرور لم يجدوا الشوارع، والباعة المتجولون لم يجدوا الأسواق، ومحتسو الخمر لم يجدوا قنانيها، وسرّاق المال العام لم يجدوا أرصدة !

الحوامل لم تجد الأجنة في بطونهن... والسياسيون لم يجدوا طاولة المفاوضات... ومجلس الوزراء لم يجد إيميلات الصحف والجرائد ليرسلوا بياناتهم التي ستنشر في الصفحات المحلية.

الجامية لم يجدوا الإخوان... والعلمانيون لم يجدوا المحافظين... والمعارضة لم تجد الحكومة، والمناضلون لم يجدوا ما يناضلون من أجله... والعنصريون لم يجدوا الوافدين... والاشتراكيون لم يجدوا التجار... والتجار لم يجدوا «بيتهم».

الفقراء رفعوا أيديهم فلم يجدوا السماء، والشعراء استلهموا وادي عبقر فلم يجدوا القوافي، واللغويون لم يجدوا القواميس، والأدباء لم يجدوا الرابطة.

وروابط الأندية لم تجد الملاعب... وسماسرة الأغذية لم يجدوا الأفواه الجائعة... وخطباء المساجد لم يجدوا المنابر... والعساكر لم يجدوا الثكنات.

الوزراء لم يجدوا المتملقين... والمديرون لم يجدوا المتسلقين... والعدالة لم تجد المظلومين... والقضاة لم يجدوا المحاكم.

وبعد كل هذا أسمع من بعيد صوت عبدالكريم عبد القادر يغني بحزن لهذا الوطن كترانيم رهبان الكنائس أو كاختلاط أصوات المآذن... فأقف حائراً مذهولاً كمن دهمه طلق الولادة لزوجته على حين غرة أفكر بهذا الوضع الغريب الشبيه بأدب «كافكا» الكابوسي أو مسرح العبث... أو ربما مسرح الكارثة.

أردت أن أكتب مقالاً عما يحدث فلم أجد قلمي، بحثت في صندوق اشتراكات جريدتي لعل أحدا يخبرني ماذا يحدث فلم أجدها.

أردت أن آكل ولكني أيها القارئ الكريم لم أجد أسناني... فنظرت من النافذة فلم أجد وطني... فرحت أصرخ ثم أصرخ ثم أصرخ.. ولكني لم أجد صوتي!!

استيقظت من هذا الكابوس العدمي فوجدت وطني، وعاد إليّ صوتي، ووجدت قلمي.. وبهذا القلم كتبت مقالي وأرسلته لجريدتي... لأقول لكم جميعا ولنفسي بصوت واعظ على وشك أن تضيع صومعته مرة أخرى:

اتقوا الله في هذا الوطن فما أجمله رغم كل تناقضاته، وإذا لم تصدقوني فأعيدوا قراءة المقال لتعرفوا أين ستقفون إذا ضاع هذا الوطن.

قصة قصيرة:

يحمل في قلبه من الحسد وزن ما لا يستطيع المحيط أن يحمله من السفن... ورغم ذلك فلم يعد يحسد الآخرين على سياراتهم...أو بيوتهم... أو وظائفهم ومعاشاتهم... أو زوجاتهم...

في الفترة الأخيرة بدا هادئاً يستمع لما يُقال كثيراً... لقد كان يحسد كل من كان يدعي أنه يفهم الوضع السياسي الحالي.

كاتب كويتي

oh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي