خيرالله خيرالله / لبنان ليس غزة... وليس خصوصاً غزوة!

تصغير
تكبير

يصعب الحديث عن غزة هذه الأيام من دون التطرق إلى كيفية خدمة الجانب الإسرائيلي تحت شعارات الممانعة والمقاومة أحياناً والتصدي للأطماع الإسرائيلية في أحيان أخرى، وكأن المطلوب التنافس على تقديم الخدمات للعدو لا أكثر. تستخدم الشعارات لتقديم مثل هذه الخدمات التي لا تدعم سوى الحلف غير المقدس القائم بين المتطرفين الرافضين للسلام في المنطقة. والمعني بكلمة المنطقة هنا الدول العربية وإسرائيل وإيران تحديداً التي تعتبر نفسها اللاعب الإقليمي الأساسي الجديد، إلى جانب إسرائيل طبعاً. تستفيد إيران من دون أدنى شك من النظام السوري الذي بات تحت رحمتها في لبنان منذ خروج قواته من البلد وحلول ميليشيا «حزب الله» التابعة لها مكانه. استطاعت ميليشيا «حزب الله» المذهبية أن تملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري السوري من الأراضي اللبنانية نتيجة ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولذلك ذهب الرئيس السوري بشار الأسد قبل أيام إلى طهران بصفة كونه وسيطاً بينها وبين الأوروبيين، بينها وبين فرنسا في أسوأ الأحوال. ولدى وصوله إلى العاصمة الإيرانية بات عليه نفي هذه الصفة، ولو بطريقة لبقة، بعدما تبين له أن طهران لا تقبل وساطات من أنظمة تعتبرها تحت مظلتها لا أكثر.

يستطيع الرئيس السوري تحقيق انتصارات على لبنان واللبنانيين كما حصل أخيراً، خصوصاً بعدما استقبله الرئيس نيكولا ساركوزي في باريس بحفاوة قلّ نظيرها، ولكن، كان لا بدّ لطهران من تذكيره بأن أوراقه هي في الواقع أوراقها وأنه لولاها لما كانت «غزوة بيروت» الأخيرة، ولولاها لما كانت حرب صيف العام 2006 التي خرج منها «حزب الله» منتصراً على لبنان واللبنانيين طبعاً. مكّنت تلك الحرب الرئيس السوري من إلقاء خطابه المشهور الذي تحدث فيه عن «أنصاف الرجال» من دون أن يجد فارقاً بين الانتصار على إسرائيل والانتصار على لبنان، رافضاً الاعتراف بأن حرب الصيف أدت إلى القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي لا يمكن الاستهانة به كونه غيّر المعطيات بشكل جذري على الأرض اللبنانية. من بين المعطيات التي تغيّرت تعزيز القوات الدولية في الجنوب اللبناني وانتشار الجيش الشرعي في المنطقة للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً.

لا بدّ من العودة إلى أحداث غزة للتأكد أن ليس في الإمكان محاربة إسرائيل بالشعارات، وأن الشعارات لا بد من أن ترتد على الطرف العربي عاجلاً أم آجلاً. أصر «حزب الله» على رفع شعار «المقاومة» عبر البيان الوزاري للحكومة الحالية، رافضاً أن يتذكر النتائج التي ترتبت على «اتفاق القاهرة» السعيد الذكر الذي شرّع المقاومة الفلسطينية انطلاقاً من لبنان. نعم، انطلاقاً من لبنان وحده الذي توجب عليه دفع كل الفواتير العربية في آن. ربما لا يريد «حزب الله» تعلم شيء من تجربة لبنان مع «اتفاق القاهرة». ربما يعتبر الحزب المقاتلين الفلسطينيين مجرد هواة بالمقارنة مع مقاتليه. ولكن أليس في استطاعته أن يستفيد، ولو قليلاً من تجربة «حماس» في غزة؟

تمارس «حماس» حالياً لعبة القمع في غزة. إنها لعبة خطرة بكل المقاييس، ليس لأنها عزلت القطاع عن العالم فحسب وجعلت المواطن في غزة يشعر أيضاً بأنه محاصر من كل الجهات وفي قوته اليومي وفي دوائه كأن المطلوب تطويعه لا أكثر، بل لأنها دفعت أيضاً فلسطينيين إلى اللجوء إلى إسرائيل. هل من جريمة أكبر من هذه الجريمة؟ هل من جريمة أكبر من جريمة اضطرار فلسطيني إلى الهرب إلى إسرائيل لإيجاد العلاج فيها وكي يتوافر له حد أدنى من الحماية من ميليشيات «حماس»؟

يفترض في «حزب الله» تفادي تكرار تجربة «حماس» في بيروت ولبنان، علماً أنه يسير في الاتجاه ذاته. فرض الحزب البيان الوزاري بالقوة وسيسعى إلى فرض التعيينات في المراكز الأمنية. وفي حال لم يتمكن من ذلك، ليس مستبعداً أن يستعيد تجربة السابع والثامن من مايو الماضي. وقتذاك احتل الحزب الإيراني بيروت وأبلغ كل من يعنيه الأمر أنه يتحكم بالمدينة، وأنه يعرف هوية كل شخص مقيم فيها ورقم هاتفه النقال والثابت. إنه عمل استخباراتي من الدرجة الأولى في مواجهة مواطنين لبنانيين لا حول لهم ولا قوة يواجهون ميليشيا تمتلك إمكانات ضخمة بما في ذلك التعبئة المذهبية التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بتاريخ الطائفة الشيعية الكريمة في لبنان بصفة كونها طائفة مؤسسة للكيان ومستفيدة من وجوده، بل من ركائز وجوده. ولكن ما العمل عندما تنفلت الغرائز على غرار ما حصل في العراق بدفع واضح من النظام الإيراني؟

من الآن، يمكن القول إن «حماس» ستفشل في غزة... وإذا نجحت، فإن نجاحها لن يخدم سوى إسرائيل. لماذا هذا الإصرار العجيب لدى «حزب الله» على تكرار تجربة «حماس» الفاشلة سلفاً في لبنان وفي بيروت تحديداً؟ هل لأنه لا يريد أن يتعلّم أم لأنه أسير المحور الإيراني - السوري؟ الجواب أنه أسير المحور الإيراني - السوري، وأن لبنان ضحية هذا المحور الذي يعتقد أن في استطاعته عقد صفقات مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل نفسها على حساب الوطن الصغير. هذا ممكن. ولكن يفترض في «حزب الله»، التفكير دائماً وأبداً بأن لبنان ليس غزة، وليس خصوصاً غزوة، وأنّ من الخطر استعادة تجربة القطاع في لبنان. ولكن هل يمتلك «حزب الله» حتى حرية التفكير في ذلك؟ هل يمتلك حرية التفكير في أنه يُستخدم لاستعادة تجربة ما بعد «اتفاق القاهرة» التي دفع اللبنانيون، وعلى رأسهم أهل الجنوب، بسببها ثمناً غالياً لها؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي