مبارك الهزاع / محقان / جنة الخليج المفقودة

تصغير
تكبير

عندما حطت رجلي الى عُمان وبالتحديد صلالة فلم أتوقع أبداً أن أحس بلوعة شديدة تجاه عدم الاهتمام بهذه اللؤلؤة التي أنعم الله بها على عُمان الشقيقة، منطقة فيها كل ما تشتهي من طبيعة خلاّبة بداية من الوديان والأنهار الموسمية والجبال الخضراء والرائحة العطرة التي تداعب أنفك ونهاية بالبحر الذي يزخر بالشعاب المرجانية الجميلة والسمك بجميع أحجامه وتجد فيه ما لذ وطاب، وما أدهشني هناك حقاً التاريخ المنسي سواء عمداً أو من غير عمد، فتاريخ لآلاف الأعوام لا يلقى أي اهتمام واضح وجاد، وعلى سبيل المثال لا الحصر ذهبت الى قرية سمهرم التاريخية، والتي فيها ميناء عظيم، قديماً مر فيه تاريخ لا يمكن وصفه بالهين، وعند دخولي إلى القلعة المشتتة وغير المكتشفة بشكل جيد أحسست بغصة ولوعة وحسرة لما أشاهده هنا، لأن الطريق والذي يبلغ طوله نحو كيلومتر واحد فقط طريق وعر ومقفر لا يصلح أبداً للسيارات، رغم أن تعبيده أمر سهل جداً.

هذا شيء والشيء الآخر حتى داخل القلعة المتناثرة تجد صخرتين منقوشتين بالهيلوغريفية (لغة الفراعنة) حسبما قيل لي، وتجد هذه الصخور مرمية كما أنها من دون قيمة تُذكر، رغم أنها تحمل تاريخاً عمره يرجع إلى قبل الميلاد! الميناء التاريخي هذا كانت تدخل فيه السفن من أعوام غابرة تمتد لقرون، فكان لا بد من وجود مدينة قربه، وعندما سألت حينها أين فرق التنقيب والبحث عن الآثار عن المدينة التي بقرب هذه القلعة فلم أجد إجابة لتساؤلي، ولبرهة من الوقت رأيت سيارة جيب تتمخطر قرب الخور الذي يفترض منطقياً أن يكون امتداداً للميناء أو مساكن للمدينة غير المكتشفة أساساً، فحينها توقفت عن السؤال ولم أرغب في سماع الأجابة، لأن السيارة كانت تجوب كغيرها من السيارات في أماكن يفترض أنها تاريخية وغير مكتشفة، فتخيلوا لو سخرت الجهود للتنقيب عن الحضارات التي عاشت هناك والاهتمام بأرض زاخرة بالتاريخ الممتد لقرون ساحقة ولا نعرف عنها إلا القليل، وهي الأرض التي حملت الأنبياء والرسل، وكانت محطة للتجارة من آسيا مروراً بالدول المطلة على المحيط الهندي إلى تنزانيا وأفريقيا، وكانت تعج بالحياة سواء من خلال تجارة اللبان أو غيره، وأنا هنا لا أتحدث عن القلاع التاريخية الأخرى وقبر النبي أيوب (عليه السلام) وموقع طبعة لناقة النبي صالح (عليه السلام) وأماكن تاريخية أخرى لا يتم الاهتمام بها وتسويقها سياحياً بما يتناسب معها، فهذه الأماكن التاريخية فعلاً منسية ولا يتم الاهتمام بها بشكل جيد، وأتساءل هنا: ماذا فعلت دول مجلس التعاون باجتماعاتها الدورية لوزراء السياحة والثقافة؟ 

صلالة منسية ومهملة من أهلها ومن مجلس التعاون، ولا أعلم ما السبب فهي تملك ما لا تملكه أي دولة بالعالم! تملك الجبال والجو المعتدل وتطل على المحيط الساحر، وفيها الغابات والوديان والصحارى، والأهم من ذلك شعبها الودود الذي يتمنى أي سائح وجودهم. الاهتمام بالسياحة في صلالة سيدر الملايين، بل المليارات إذا تم العناية بها بشكل جيد، فتخيلوا إمكاناتها التاريخية والجغرافية والبيئية!

تبي طبيعة وشغل فيينا وزالمسي؟ موجود! تبي طيبة وأخلاق؟ شعبها موجود! تبي أنشطة رياضية بجميع أنواعها؟ عندك بحر جميل وجبال شاهقة وصحراء قاحلة! بس تبي اهتماما بالسياحة؟ غير موجود! تبي فندق سنع؟ بالكاد تجد! تبي بقالة نظيفة؟ غير موجود! تبي مطعما نظيفا؟ غير موجود! فبعد أن تفتح نفسك من مشاهدة الطبيعة الخلابة ومشاهدة الأماكن التاريخية حتى «تلوع جبدك» من المطاعم والبنايات التي قضى عليها الدهر في وسط المدينة وتتحسر لما يمكن أن يكون عليه الوضع لو تم ضخ بعض السيولة في هذه المنطقة التي تعد جوهرة تدر المال الوفير لأي مستثمر.


مبارك الهزاع


كاتب كويتي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي