توصُّل الدول الست وإيران لاتفاقية حول المشروع النووي قنبلة نووية سياسية فجرت العالم بأكمله. فما حصل في لوزان انتصار ايراني مميز تحققت بسببه مكاسب قياسية وعلى مختلف الجبهات.
فبالقياس لبقية الدول المتقدمة، حققت الجمهورية الاسلامية مستوى سياسياً أعلى من اليابان والمانيا. هاتان الدولتان اللتان سقطتا سقوطاً مدوياً بعد الحرب العالمية الثانية، أعيد تأهيلهما من جديد بفضل مشروع مارشال الاميركي. لهذا ما زال الشعبان يعيشان عقدة الفضل الاميركي عليهما الى اليوم، وانعكس كما ندري بتواجد القواعد العسكرية الاميركية منذ زمن مارشال.
اما الجمهورية الاسلامية في إيران فتحررت من قيود التبعية منذ اليوم الاول لقيامها، وظلت تعمل بمعزل عن الاقطاب العالمية. واستطاعت ان تبني لنفسها مكاناً مرموقاً بين الامم في ظل ضغوطات اقتصادية خانقة قاسية فضلا عن المضايقات السياسية والحروب، التي اشتعلت في طريق مسيرتها. لكن بفضل سياسة مارشال الايرانية، واقصد بها اقتصاد المقاومة، والذي كان دعامته تنويع مصادر الدخل والحد من الاعتماد على النفط والمواد الخام الى جانب تعزيز الصناعات التقنية العالية القائمة على المعرفة، بفضل ذلك تحقق الهدف الذي رسمه مرشد الثورة الايرانية السيد الخامنئي بان «ايران مصممة على اجبار الغرب على التراجع» (تكررت هذه المقولة مرات عدة ومنها في فبراير 2014).
ولو جعلنا تاريخ التوقيع كمرجع زمني، يمكننا القول: الايرانيون بعد النووي شيء مختلف تماماً عما قبله. وهنا لا اتحدث عن دخولهم إلى النادي النووي، لان الحديث عن هذه النقطة تحصيل حاصل...لسببين: الاول انهم اعضاء في هذا النادي منذ زمن، منذ عهد الرئيس السابق السيد نجاد. والثاني وجود دول اخرى في هذا النادي لكنها بلا شخصية مؤثرة عالمياً كباكستان وكوريا الشمالية. لهذا تعتبر لحظة التوقيع مفصلية واستراتيجية لخصها عبدالباري عطوان بعبارة رمزية: «سلم الأمريكان مفاتيح المنطقة والاقليم للايرانيين».
من الطبيعي ان يشغل هذا الحدث التاريخي حيزاً كبيراً من نقاشاتنا الفكرية وحتى الاجتماعية. وقد عبر زميلنا السابق جعفر رجب عشية الاتفاق بتغريدة قسَّم فيها الناس إلى نوعين: «مستانسين اكثر من روحاني ومتضايقين اكثر من نتنياهو». فالناس عاشت في ظل التحدي مع الايرانيين قُرابة اربعة عقود ولم تجن سوى حرق مئات المليارات وقتل الملايين وأضعاف هذا الرقم من المشردين واللاجئين والجرحى، فضلاً عن تجييش وتصدير الجماعات الارهابية الى المعمورة ونشر الفوضى وتدمير تاريخ الحضارة البشرية. بل الاهم من ذلك كله أن هذا العناد وانشغال بعضنا ببعض وفَّر الارضية لاستمرار وبقاء اسرائيل. لذلك من المنطقي جداً أن تجد الاسرائيليين والعرب (محور السلام)...«مستائين» لدرجة الغثيان من لوزان. ولا نحتاج شرح الكثير ونحن نشاهد مشاعر الرُّعب والغيظ تعلو وجه نتنياهو ويُطالب المجموعة (6+1) بأهمية ذكر الوجود الاسرائيلي في أي اتفاق. اما المستوى العربي فنكتفي بجواب المناضل الثوري السوري فيصل القاسم لسؤال CNN عن الاتفاق: «بعض العرب اعتقدوا ان اميركا تزوجتهم بالحلال، اميركا كل زيجاتها متعة».
لذلك من حقنا ان نفرح لأننا على موعد أمل بانقضاء الحروب، وتجربة التقارب الايراني - العربي، وفتح صفحات جديدة، الى جانب أننا أصبحنا أقرب من أي وقت مضى من زوال السرطان الصهيوني إن شاء الله.
hasabba@