خيرالله خيرالله / كاراديتش... والظلم الذي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية!

تصغير
تكبير

وقع أخيراً في قبضة العدالة. العدالة العالمية التي تبين أنها مازالت حية ترزق. ما يمكن استخلاصه من القبض على مجرم الحرب الصربي رادوفان كاراديتش الذي أمضى ثلاثة عشر عاماً متخفياً في بلغراد أن العدالة فوق الجميع وأنها ستطول المجرم، أي مجرم مهما علا شأنه وحظي بحمايات، وذلك عاجلاً أم آجلاً. بعد أيام سيكون كاراديتش في لاهاي تمهيدا لمثوله أمام محكمة دولية يقول إنه سيدافع عن نفسه أمامها. من حق كاراديتش الدفاع عن نفسه ورفض الاستعانة بمحامين، ولكن من واجب العدالة أيضاً أن تؤكد لمسلمي البوسنة بعض الأمل في أن حقهم لن يضيع، وأن مرتكبي الجرائم سيلاحقون، وأن اعتقال كاراديتش ليس سوى بداية، وأن آخرين مسؤولين عن مجازر سيظلون موضع ملاحقة ومتابعة من العدالة. على رأس هؤلاء يأتي بالطبع الجنرال راتكو ملاديتش الذي لعب دوراً رئيسياً في تنفيذ المجازر في حق المسلمين في البوسنة بين العامين 1992 و1995.

تغير العالم بعد انتهاء الحرب الباردة. ثمة من فهم ذلك وثمة من من رفض استيعاب المعادلة الجديدة فبقي يعيش في الماضي إلى أن جاء اليوم الذي توجب عليه دفع الثمن كما حصل مع زعيم صرب البوسنة. لم يعد في الإمكان الإفلات من العقاب بمجرد الاحتماء بالمعسكر السوفياتي، كما كانت عليه الحال في مرحلة ما قبل العام 1990 من القرن الماضي. ما تدل عليه عملية اعتقال كاراديتش أن ليس في الإمكان الهرب من العدالة لأي سبب من الأسباب. ربما كانت مشكلة كاراديتش تكمن في أنه رفض الاعتراف بأن العالم في بداية التسعينات هو غير العالم في مرحلة ما قبل سقوط جدار برلين في خريف العام 1989. رفض بكل بساطة أخذ العلم بذلك فانطلق في حملته الهادفة إلى التخلص من المسلمين في البوسنة فكانت مجزرة سربينيتشا، كما كانت عملية التدمير المنظمة للأحياء المسلمة في ساراييفو. كان كاراديتش يكره كل ما هو مسلم. كان عنصرياً إلى أقصى درجات العنصرية. لم يكن يشبه سوى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في دعواتهما إلى القضاء على كل ما له علاقة بالحضارة الغربية أو المسيحية.

كان القبض على كاراديتش انتصاراً لأوروبا ولقيمها الإنسانية أولاً. ولعل أفضل من وصف الحدث وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي قال: «إنه نجاح كبير لأوروبا». وشدد على أن وراء النجاح الذي تحقق «الإصرار والمثابرة» على متابعة المجرم وملاحقته تمهيداً للقبض عليه. وهذا ما حصل بالفعل رغم أن كاراديتش استطاع تغيير شكله والإقامة في شقة في أحد أحياء بلغراد مع امرأة كان يظنها الناس زوجته. أكثر من ذلك، استطاع زعيم صرب البوسنة الحصول على جواز سفر حقيقي باسم شخص توفي في العام 1993 وسافر بفضل الجواز إلى روسيا وغيرها مرات عدة، كما مارس مهنة جديدة تسمّى «الطب البديل»... أي الطب غير التقليدي. حتى صاحب الحانة القريبة من شقته والتي كان يتردد عليها كل يوم تقريباً لم يتعرف إليه رغم أنه ينتمي إلى التيار الصربي المتطرف، وكان يرفع صورة كاراديتش. اختار زعيم صرب البوسنة في أحيان كثيرة العزف على آلة تشبه البزق وفوقه صورته. لم يكتشف أحد شخصيته الحقيقية... إلى أن اعتقل بقدرة قادر يوم الإثنين في الواحد والعشرين من يوليو الجاري... وثمة من يقول إنه قبض عليه بالفعل قيل ذلك بثلاثة أيام.

فجأة صار كاراديتش في السجن. ما الذي تغير في صربيا نفسها؟ الأكيد أن الرجل ما كان ليتمكن من الاختفاء طوال ثلاثة عشر عاماً والحصول على شقة آمنة وهوية غير مزورة وممارسة مهنة «الطب البديل» لو لم يكن يحظى بغطاء وفّرته له جهات نافذة. ربما كان العامل الوحيد الذي لم يأخذه كاراديتش في الاعتبار أن صربيا نفسها تغيّرت. تغيّرت لأن أوروبا انفتحت عليها. الاتحاد الأوروبي الذي يضم حالياً سبعاً وعشرين دولة مهتم بانضمام صربيا إليه وراح يوجه إليها إشارات مشجعة في هذا الاتجاه. كانت لحظة التحول في أبريل الماضي عندما قرر الاتحاد الأوروبي تقديم دعم واضح لحزب بوريس تاديتش المؤيد للانفتاح على الغرب عموماً، بعيداً عن أي نوع من التعصب والتزمت والانغلاق على الذات. دفع كاراديتش ثمن فوز تاديتش في الانتخابات والرغبة التي يعبر عنها الرئيس الجديد للبلاد في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. اعتقد زعيم صرب البوسنة أن صربيا يمكن أن تبقى ملجأ آمناً بالنسبة إليه. لم يدرك أن صربيا ستتغير هي الأخرى، وأنه ليس طبيعياً أن تكون في وسط أوروبا وأن تكون في الوقت ذاته بعيدة عن القيم الأوروبية التي ترفض حماية مجرم حرب كان يشاهد الصحافيون الجيش الذي بأمرته ينفّذ عمليات تطهير عرقي ويقصف ساراييفو بالمدفعية من دون رحمة غير آبه بمقتل آلاف المدنيين الأبرياء.

اليوم كاراديتش. غداً دور من؟ هل يظل الشرق الأوسط بعيداً عن القيم الأوروبية؟ هل يمكن أن يظل استثناء؟ المفارقة أن صدّام حسين بقي صامداً مع نظامه طوال ثلاثة عشر عاماً. ارتكب جريمة احتلال الكويت في الثاني من أغسطس من العام 1990 وكان سقوط نظامه في التاسع من أبريل 2003. هل من يريد أن يتعظ من بين حكام المنطقة الذين اعتقدوا طويلاً أن القيم الأوروبية ستظل بعيدة عنهم. في النهاية أوروبا ليست بعيدة كثيراً عن الشرق الأوسط، وقد أظهرت بحمايتها لمسلمي يوغوسلافيا السابقة أنها لا تفرق بين إنسان وآخر. ليس طبيعياً أن تبقى الأمور فيه على حالها. إن اعتقال كاراديتش يبعث برسالة أمل فحواها أن الظلم لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية حتى في الشرق الأوسط البائس.


خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي