يعكس الخلاف الذي شهدته اجتماعات اللجنة المكلفة صياغة البيان الوزاري للحكومة اللبنانية عمق الأزمة التي يمر فيها الوطن الصغير. يختصر سلاح «حزب الله» جوهر الأزمة التي أدت، أقله إلى الآن، إلى ارتكابات طاولت الحياة السياسية في البلد. في مقدم الارتكابات استخدام السلاح لفرض رأي الأقلية على الأكثرية وقبل ذلك لمحاولة تغطية جرائم النظام السوري. هذه الجرائم التي بدأت في السبعينات من القرن الماضي، استمرت مع التمديد لأميل لحود في العام 2004، ثم اغتيال رفيق الحريري وما تبع ذلك من تفجيرات واغتيالات ومحاولات اغتيال شملت اللبنانيين الشرفاء الذين سعوا إلى الحرية والسيادة والاستقلال ورفضوا في الوقت ذاته أن يكون البلد «ساحة» للمحور الإيراني - السوري لا أكثر.
المطروح مستقبل لبنان. هل هو بلد قابل للحياة أم لا؟ المطلوب بكل بساطة صياغة بيان وزاري يكرّس لبنان «ساحة»، وذلك استمراراً للنهج السوري المتبع منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، والذي عبر عنه غير مسؤول سوري غير مرة. فحوى هذا النهج أن لبنان لا يمكن أن يعيش من دون وصاية سورية. وليس سراً أن الرئيس بشار الأسد قال أمام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن لبنان لم يشهد في تاريخه وضعاً مستقراً إلا حين كانت القوات السورية في لبنان بين العامين 1976 و2005. من لديه أي شك في هذا الكلام، كلام الرئيس السوري الواضح كل الوضوح، يستطيع العودة إلى صحيفة «لو موند» الفرنسية التي نشرت جزءاً من محضر اللقاء بين الأمين العام للأمم المتحدة والرئيس السوري لدى زيارة بان لدمشق أخيراً.
من يستمع إلى التصريحات السورية ومن يراقب التصرفات السورية، خصوصاً منذ وصول «حزب البعث» إلى السلطة في دمشق وتحوله تدريجاً من حزب يمثل أقليات من مختلف المناطق، فضلاً عن بعض أفراد البورجوازية الصغيرة السنية، إلى حزب تابع لجهاز أمني ليس إلاّ، يكتشف أن الموقف السوري من لبنان تعبير عن أزمة نظام أكثر من أي شيء آخر. إنه نظام، غير قادر على الحرب أو السلام، نظام يحاول بكل الأساليب تصدير أزمته إلى لبنان... بل يعيش على ذلك ويعتاش منه!
مطلوب بكل بساطة أن تكون هناك أوضاع غير مستقرة في لبنان لتبرير التدخل السوري في البلد الجار ووضع اليد على مقدراته. بين العامين 1975 و1982، استخدم النظام السوري الحرب الداخلية في لبنان لتبرير تحقيق حلمه القديم المتمثل في إرسال جيشه إلى الوطن الصغير. قبل ذلك استخدم «اتفاق القاهرة»، الذي فرضه العرب على اللبنانيين فرضاً، لمعاقبتهم على عدم الدخول في حرب العام 1967. امتلك لبنان في تلك المرحلة ما يكفي من الحكمة لتفادي الانجرار إلى الحرب وخسارة أراضيه على غرار ما حصل مع مصر وسورية والأردن. كانت النتيجة معاقبة لبنان على امتلاكه ما يكفي من الاتزان والتوازن والتعقل بإلقاء ثقل المقاومة الفلسطينية عليه. حصل ذلك عن طريق إجباره على توقيع «اتفاق القاهرة» في العام 1969 بحجة أن المسلمين يقفون مع الفلسطينيين. دفع لبنان غالياً ولا يزال يدفع ثمن توقيعه «اتفاق القاهرة». دفع الكثير، خصوصاً بعدما طرد الأردن المقاتلين من أراضيه كي ينقذ المنظمات الفلسطينية من نفسها ومن السقوط في الفخ الإسرائيلي المتمثل في الوطن البديل الذي اسمه الأردن.
كان على لبنان في تلك المرحلة أن يدفع ثمن كل ما يحصل في المنطقة. دفع ثمن نتائج حرب تشرين - أكتوبر في العام 1973 ودفع ثمن اتفاقي فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل بعد تلك الحرب، كما دفع ثمن فك الاشتباك على جبهة الجولان في العام 1974 عندما قرر النظام السوري إغلاق تلك الجبهة نهائياً وحصر المقاومة بلبنان. بالنسبة إلى النظام السوري، المطلوب دائماً ألا تكون هناك مؤسسات لدولة في لبنان. وعندما شعر أن مشروع الإعمار والبناء والتنمية يمكن أن يمهد لقيام دولة ولعودة اللبنانيين إلى لبنان، تخلص من رفيق الحريري...
قبل ذلك، في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، استمر لبنان في دفع الأثمان بما في ذلك الثمن الذي ترتب على زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس المحتلة، ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد والتوصل إلى معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية في العام 1979. ودفع ثمن الحرب العراقية - الإيرانية بين العامين 1980 و1988 ودفع ثمن جنون صدّام حسين وجرائمه في العامين 1990 و1991 عندما احتل دولة الكويت المسالمة فاضطر المجتمع الدولي إلى إخراجه منها بالقوة. سلم المجتمع الدولي على رأسه الولايات المتحدة لبنان إلى النظام السوري لقاء مشاركته في حرب تحرير الكويت إلى جانب الجيش الأميركي والجيوش الأخرى!
لم يدفع لبنان فواتير النظام السوري فحسب، بل دفع فواتير النظام الإيراني الذي استطاع التغلغل في الوطن الصغير وإقامة جيش مذهبي فيه بفضل التسهيلات السورية. بعد العام 2005، انقلبت الآية. لم يعد الإيراني في حاجة إلى التسهيلات السورية، بمقدار ما أن السوري صار في حاجة إلى الأداة الإيرانية المسماة «حزب الله» التي شغلت الفراغ الذي خلفه الانسحاب العسكري السوري من لبنان في نيسان - أبريل من العام 2005، هذا الانسحاب الذي تمّ تحت ضغط الشارع السني والمسيحي والدرزي وحتى الشيعي.
في أساس كل مصائب لبنان وجود منطق يطالب بإلغاء الدولة اللبنانية استكمالاً لما بدأ مع التوصل إلى «اتفاق القاهرة» وخروج قسم من الأراضي اللبنانية من تحت سيادة هذه الدولة، بحجة أن هناك منطقاً اسمه الثورة. عاد هذا المنطق بالويلات على لبنان، خصوصاً أهل الجنوب. لم تكن إسرائيل ضده يوماً. إسرائيل تعارض كل نوع من أنواع الاستقرار في لبنان. إسرائيل تريد بقاء جبهة الجنوب مفتوحة كي يستمر النزيف اللبناني. إسرائيل لم تقدم يوماً على عمل يفيد أنها ضد منطق انتصار الثورة على الدولة في لبنان.
ما يسعى النظام السوري إلى فرضه حالياً يعتبر أسوأ من «اتفاق القاهرة». إنه يريد استخدام لبنانيين بهدف إبقاء الصدام بين منطق الثورة ومنطق الدولة في لبنان وذلك عبر البيان الوزاري الذي يراد منه تشريع ما يُسمى «المقاومة». مقاومة من وماذا؟ هل الاعتداء على أهل بيروت والجبل مقاومة؟ هل يكفي إطلاق إسرائيل الأسرى كي ينسى اللبنانيون ما فعله الحزب بعاصمتهم وجبلهم ومناطق أخرى وصولاً إلى الشمال؟
ما على المحك في لبنان يتجاوز البيان الوزاري للحكومة. إما ينتصر لبنان وإما ينتصر المنطق السوري، ومعه المنطق الإيراني، الذي لا يعترف بلبنان ويعتبره غلطة تاريخية. مثل هذا المنطق هروب سوري مستمر إلى أمام. الرد عليه يمكن اختصاره بعبارة قصيرة هي الآتية: أليس لبنان بلداً عظيماً يستحق الحياة كي يصمد كل هذا الصمود؟ هل من بلد صغير تعرض إلى نسبة عشرة في المئة مما تعرض إليه لبنان وظل واقفاً على رجليه شامخاً يقاوم التخلف والبؤس الذي يحاول محيطه فرضه عليه؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن