بعد سنوات من النمو الاقتصادي المتنامي في جمهورية الصين الشعبية، ظهرت بوادر وهن الاقتصاد الصيني في الحفاظ على معدل نموه. وعليه بادرت الحكومة الصينية بسلسلة من الإصلاحات وكان من بين أبرزها تطوير قطاعاتها الوطنية
المعنية بالعلوم والتكنولوجيا والابتكارات من خلال إيفاد أعداد متزايدة من طلبتها للدراسة في الجامعات المتميزة في الدول الصناعية، فضلا عن تطوير مراكز الأبحاث ومؤسسات التعليم العالي لديها فاعتمدت في بداية الألفية الثالثة نظاما لتصنيف جامعاتها، وقياس كفاءتها في مواكبة متطلبات التنمية المستدامة، مبني على مجموعة من المؤشرات التي ترصد نقاط الضعف التي شخصت في جامعاتها. هذه المؤشرات وظفت كمشكاة لتحديد مسارات الإصلاح الأكاديمي، وكمسطرة لقياس درجة تحقيق الأهداف الإصلاحية. واليوم الاقتصاد الصيني يحصد، وسيستمر مستقبلا في حصد ثمار نهضتهم الأكاديمية التي أديرت وفق مجموعة مختارة من المؤشرات.
في عام 2003 أصدرت جامعة شنغهاي جياوتونغ النسخة الأولى من التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم (Academic Ranking of World Universities) كمعيار، مركب من مجموعة مؤشرات، مقترح من الجامعة لقياس جودة التعليم العالي في الصين. تبنت الحكومة الصينية هذا المؤشر المركب، ضمن خطتها لتطوير التعليم العالي، واعتبرته معيارا لقياس أداء الجامعات الصينية بالمقارنة مع نظيراتها العالمية المرموقة من أجل تحفيز «التميز» في البحث العلمي في الجامعات الصينية.
اعتماد هذا المؤشر المركب جاء لمعالجة واقع الجامعات الصينية، والاقتصاد الصيني تباعا، التي كانت تعاني من ندرة البحوث العلمية «المتميزة» وقلة الاكتشافات العلمية ونقص الابتكارات التكنولوجية على الرغم من غزارة انتاجها العلمي المنشور في العديد من المجلات الوطنية والعالمية.
نشرة التصنيف الصينية هي الاقدم على مستوى العالم وتعتبر اليوم واحدة من بين الثلاث الأشهر والأكثر تأثيرا على المستوى العالم، إلى جانب النشرتين البريطانيتين تقرير كيو اس لتصنيف جامعات العالم (QS World University Rankings) وتقرير مجلة تايمز للتعليم العالي لتصنيف جامعات العالم (Times Higher Education World University Rankings).
التصنيف الصيني الحالي يقيم 1200 جامعة في العالم وفق أوزان محددة لمعايير مرتبطة جميعها بالنشاط العلمي «المتميز». خصص مصممو التصنيف 10 درجات لقياس عدد حالات الفوز بجوائز نوبل (Nobel Prizes) والوسام الدولي للاكتشافات المتميزة في الرياضيات (Fields Medals) من قبل خريجي الجامعة، إلى جانب 20 درجة لحالات الفوز المشابهة من قبل أعضاء هيئة التدريس. كما حددوا 20 درجة لتقدير مدى الصدارة في عدد أعضاء هيئة التدريس المذكورين في قائمة (ISI Highly Cited) التي تتضمن أسماء الباحثين العلميين الأكثر استشهادا بأبحاثهم في المجلات الأكاديمية على مدى آخر عشر سنوات، علما بأن 21 مجالا علميا فقط يتم اعتبارهم في التصنيف. وكذلك رصدوا 20 درجة لمعرفة درجة التفوق في عدد البحوث التي نشرت من قبل منتسبي الجامعة في مجلتين علميتين محددتين هما الطبيعة (Nature) والعلوم (Science)، فضلا عن 20 درجة مقابل عدد الأبحاث المذكورة في فهرسين علميين محددين هما (Science Citation Index and Social Sciences Citation Index)، بالإضافة إلى 10 درجات لقياس نسبة المعيار السابق إلى عدد المنتسبين للجامعة.
الباحثون في جامعة «شنغهاي جياوتونغ» صمموا مؤشرا مركبا لإصلاح تعليمهم العالي على الرغم من تداولهم على مر سنين طويلة لمؤشرات عالمية تشير إلى كفاءة وجودة جامعاتهم، والحكومة الصينية امتلكت شجاعة الاعتراف بوجود خلل أكاديمي وتبنت ذلك المؤشر في إصلاح وتطوير منظومتهم للتعليم العالي فاقتطفت ثمار شجاعتها في استدامة نمو اقتصادهم. لذلك تجد أن الصين اليوم أكبر دولة مصدرة في العالم وثاني أكبر اقتصاد في العالم.
القائمون على التعليم العالي في الكويت يجب أن يتفحصوا التجربة الصينية ليفهموها ويتعلموا منها. علينا أن نحدد بشجاعة وشفافية مكامن الخلل في تعليمنا العالي، ثم نتفانى في تصميم مؤشرات لتوجيه جهود معالجة تلك المكامن ومتابعة مدى التطابق بين القياسات الدورية والنتائج المعيارية للمؤشرات. ولكن بسبب محدودية المساحة المتوافرة للمقال، تقرر عرض الجزء المكمل منه في الاسبوع القادم.
[email protected]