يعتبر تصنيف بلوم (Bloom’s Taxonomy)، المرتكز على الأهداف التعليمية، من الأدوات الأساسية والقيمة في استحداث وتطوير مناهج وبرامج لمختلف المستويات الدراسية.
صنف بلوم الأهداف التعليمية ضمن ثلاثة نطاقات رئيسة: المعرفي (Cognitive) الحركي النفسي (Psychomotor) والسلوكي (Affective). وبتعبير أبسط فإن النطاقات الثلاثة هي تلك المرتبطة بتطوير العقل واليد والقلب بنفس الترتيب السابق. بالرغم من أن الدكتور بلوم صنف الأهداف التعليمية ضمن ثلاثة نطاقات من أجل تسهيل التواصل والتناغم بين المعنيين بتصميم وإعداد وتقديم وتقييم وتقويم البرامج والمناهج التعليمية، إلا أنه في الوقت ذاته أكد على ضرورة تبني التعليم الشامل من خلال إعطاء الطلبة جرعات من النطاقات الثلاثة ولكن بجرعات متفاوتة تتناسب والغايات المنشودة من المنهج والبرنامج التعليميين. ضمن كل نطاق في تصنيف بلوم، هناك مستويات عدة من المهارات المتتالية والتي لا يمكن اتقان مهارة ما إلا بعد إجادة المهارات في المستويات الأدنى منها.
النطاق الاكثر ارتباطا بموضوع المقال هو المعرفي الذي يتمحور حول تناول المعلومات والتفكير الناقد. يتضمن النطاق المعرفي اربعة مستويات متتالية من المهارات أدناها تذكر المعلومة، ثم فهمها وإدراكها، ثم الاستفادة منها في تطبيق ما، ثم المستوى الأرقى والذي يعنى بالتفكير الناقد ويحتضن ثلاث مهارات هي: تحليل المعلومة إلى عناصرها الأولية، وتقييمها وفق المعايير الملائمة، وتوظيفها في إيجاد حلول بديلة أو اكتشاف نظرية جديدة أو اختراع منتج جديد. لذلك تعتبر مهارات التفكير الناقد المحرك الرئيس للعلوم والتكنولوجيا والابتكار وهي بدورها من أهم مقومات الاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة.
كأكاديمي مارس التدريس لعقدين ونيف من الزمان وشارك في تطوير واستحداث برامج ومناهج دراسية متعددة، أجد بأن مناهج التعليم العام صممت لتكون متحجرة في نمطها ومثلثة في شكلها، قاعدته تتربع في المستوى المعرفي الأدنى وهو المرتبط بمهارة استذكار المعلومات، ورأسه إن اخترق سقف هذا المستوى فإنه لم ولا يصل إلى مستوى التفكير الناقد. خبراء المناهج والتربية يعرفون جيدا بأن هكذا استراتيجية تربوية وتعليمية تنتج اجيالا يسهل توجيهها وتضليلها لأنها تبرمجت لاستقبال المعلومات أو الارشادات وقبولها دون التحقق من مصداقيتها أو صلاحيتها. خطورة هذه النوعية من الثقافة المجتمعية تطفو عندما يراد لها أن تتطرف بحجة نصرة الحق، فتكون أقرب للجهل من الثقافة لأن منبعها السذاجة في التعاطي مع المعطيات والأمية في تقييم البيانات والهمجية في السلوكيات. لذلك تجد هذه المجتمعات تفتقر المناعة ضد الفتن، خاصة الدينية منها، وهي دوما معرضة لأزمات فئوية ولو بشرارات خافتة.
أن ترتبط المواقف السياسية للأفراد بانتماءاتهم العرقية أو المذهبية فإن ذلك من شواهد تطرف المجتمع ليس إلا. أتساءل هل نحتاج لمحاورة عباس أو عمر لكي نعرف موقف كل منهما من أحداث سورية أو البحرين؟، أم هل سيتفق عثمان وحيدر في تحديد من يقتل من، أو من يهدم مساجد من، في العراق؟ لكننا نجد أن عباس وحيدر يتوافقان مع عمر وعثمان في أن جميع الهجمات الارهابية في الغرب، والتي يتهم مسلمون بارتكابها، ليست إلا مؤامرات ضد الاسلام والمسلمين. المشترك فيما سبق هو أننا كشعب مواقفنا تحدد بانتماءاتنا الفئوية، لذلك نسارع لتبرئة المتهم الذي ينتمي لنفس حلقتنا الفئوية ونخلي مسؤوليته عن أي جريمة دوافعها متعلقة بحلقتنا الفئوية، ونتقن إسقاط مسؤوليتها كليا أو جزئيا على من هم خارج حلقتنا وان كانوا ضحايا تلك الجريمة.
نحن تربينا لنفكر بقلوبنا وعواطفنا لا بعقولنا وفطنتنا، وحرمنا من اكتساب القدرة على التحليل والتفكير النقدي، لذلك لا نفهم العلاقة بين الارهاب ضد المدنيين وبين ثقافتنا المجتمعية، تلك الثقافة التي تجعلنا نردد معا وبخشوع في مساجدنا «اللهم جمد الدم في عروقهم حتى يتمنون الموت فلا يجدونه».
أتساءل من هو المسؤول عن افتقار خريجي التعليم العام لمهارات التفكير النقدي؟ هل هناك خلل في خطة الوزارة أو في تنفيذها؟ أم أن المستوى الحالي للخريجين منشود وحصيلة عمل منهجي لإدارة الرأي العام؟ هل الحكومة هي من يصيغ الخطة الاستراتيجية للتربية والتعليم من خلال وزيرها أم أن أحزابا دينية هي التي تنفذها من خلال نوابها في البرلمان وقياديي الوزارة؟، هل الاحداث المحلية تشير إلى أن الحكومة منفردة قادرة على إدارة الرأي العام الكويتي أم أن التيارات الدينية هي التي تملك أدوات التوجيه؟، هل ارتباط الكويتيين بوطنهم اقوى من انتمائهم لأمتهم الاسلامية أم انهم اكثر انتسابا للأمة وان اختلفوا في تحديد عاصمتها بين ثلاث عواصم إقليمية؟ ثقافتنا المجتمعية هي أخطر ما يهدد أمننا الوطني الشامل، ولابد من نهضة تربوية وتعليمية عاجلة وجذرية، تعيد ثقافتنا الجمعية إلى ما كانت عليه قبل عقود من الاستقطاب الديني الاقليمي. لذلك أناشد المجلسين بسرعة تبني خطة متكاملة لتطوير التعليم من أجل تأصيل مهارات التفكير النقدي، وهذا ما لا يمكن إدراكه دون اقترانه بتشريعات وممارسات تعزز الحريات والحقوق المدنية، لتهيئة بيئة قادرة على تأهيل أجيال وطنية متحضرة ومحصنة من الغلو والتطرف، وقادرة على دفع عجلة التنمية نحو اقتصاد معرفي مستدام.