إليكم هذه النماذج لتقديس غير المقدس ثم نعلق عليها:
1 - يذكر الأديب علي الطنطاوي الدمشقي في كتابه تعريف عام بدين الإسلام تحت عنوان الأساس في توحيد الألوهية: «يعتقد عجائز الشام أن قرع حلقة جامع الحنابلة في جبل قاسيون أول جمعة من رجب يسبب لها الحمل، أو توسلت إلى ذلك بربط خرقة على شباك أحد القبور»! ثم علق الطنطاوي على من ارتكب مثل هذا الفعل بأنها «خالفت عقيدة التوحيد».
2 - قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه: «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين»: قالوا: عندما احتل الانكليز القاهرة في القرن الماضي ذهب حشاش إلى قبر الإمام الشافعي يلومه كيف عجز عن رد هؤلاء المغيرين؟ فقال له حشاش آخر معتذراً: اذا كان الأكبر منه الإمام الحسين نفسه عجز عن ردهم فما يفعل هو؟!... وقال الغزالي: «ان ناساً عندنا يرسلون شكاوى مكتوبة إلى ضريح الإمام الشافعي وآخرين يفزعون إلى بعض قبور الأولياء متذللين يطلبون منها مالا يقدر عليه إلا رب العالمين».
حكى بعض الظرفاء أنه كان جالساً في مزار مشهور فجاء رجل يطلب من الولي الميت النجدة! لأن امرأته تلد والولادة متعسرة! وانصرف. واذا رجل يجيء بعده ليطلب مساعدة ابنه الذي دخل الامتحانات العامة! وهنا قال له الظريف الجالس ان الولي ليس هنا فقد ذهب لتوليد حامل تعسر وضعها!! ثم علق الغزالي قائلاً: «والواقع ان دعاء المقبورين اضحى مهزلة سخيفة، وأن الاعتذار عن هذا المسلك لا يسمع من احد».
وتحت عنوان «صلة المسلم بالمقابر» قال الغزالي: «ومعرفتي بالمساجد تجعلني أندد بأمور رأيتها... زرت احد المساجد بمحافظة البحيرة، فرأيت القبر يتوسط المسجد توسطاً منكراً، بحيث تكون صفوف المصلين امامه وخلفه عند امتلاء المسجد!
قلت: ان المساجد لله، وهذا المسجد للقبر!».
وقال: «أعرف بقالاً في العاصمة بنى مسجداً، وبعد اتمامه استصدر رخصة ان يدفن فيه، وتم له ما أراد! وأصبح من أولياء الله!».
وقال الغزالي رأيه الصريح: «ان تشييد الأضرحة وكسوتها وتزيينها بالمعادن النفيسة واستقدام الزوار اليها أمر شاع في امتنا ولا أصل له».
3 - وذكر الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه النظرات تحت عنوان «دمعة على الإسلام» رسالة جاءته من أحد علماء الهند يقول فيها انه صدر كتاب جديد عن الإمام عبدالقادر الجيلاني فرأى فيه من الصفات والالقاب التي وصف بها السيد عبدالقادر بما هو أجدى بمقام الألوهية منها بمقام النبوة فضلاً عن مقام الولاية كقوله: «سيد السماوات والأرض» و«المتصرف في الأكوان» و«المطلع على أسرار الخليقة» و«ومحي الموتى» و«ماحي الذنوب» و«دافع البلاء»... إلى الكثير من أمثال هذه النعوت والألقاب، ويقول الكاتب انه رأى في ذلك الكتاب فصلاً يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب ان يتكيف بها الزائر لقبر السيد عبدالقادر الجيلاني يقول فيه: «أول ما يجب على الزائر ان يتوضأ وضوءاً سابغاً ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة، وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول: يا صاحب الثقلين أغثني وأمدني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي» ... «أغثني يامحيي الدين عبدالقادر» «أغثني يا ولي عبدالقادر» «أغثني ياسلطان عبدالقادر» «اغثني ياباد شاه عبدالقادر» «أغثني ياخوجة عبدالقادر»... «ياحضرة الغوث الهمداني ياسيدي عبدالقادر الجيلاني عبدك ومريدك مظلوم عاجز محتاج اليك في جميع الامور من الدين والدنيا والآخرة».
ويقول الكاتب ايضاً ان «في بلدة ناقور في الهند قبراً يسمى شاه الحميد وهو أحد أولاد السيد عبدالقادر كما يزعمون وان الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله...».
حزن المنفلوطي على حال المسلمين وتخلفهم وتشوه عقيدة التوحيد في عقولهم وسلوكهم فقال مقهوراً: «يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبُعده عن العقل فيجملون فيه ويقولون ان الثلاثة في حكم الواحد، أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات وقطع أحجار من حيث لا يشعرون».
الشواهد لديَّ كثيرة على انحراف العقيدة المتصلة ببدع القبور.
مما يجعل عقيدتنا العظيمة أضحوكة للحشاشين، وفرحة للمستعمرين ووسيلة يأكل بها المتمصلحون أموال العوام وذبائحهم ونذورهم بالباطل... ويوم كانت الأمة في صدرها الأول لا تعرف الا الالتجاء الى الله والتوكل عليه فتحت الدنيا وسادت العالم ونحن كل يوم نكتشف ضريحاً ونزين قبة يسلب المستعمر منا أرضاً ويستبيح حمانا ويزيدنا هواناً. والى العتبات العلمانية غير المقدسة في المقال المقبل.
محمد العوضي