محمد العوضي / خواطر قلم / وزيرة التربية... وتيمورلنك!

تصغير
تكبير

«أهداف الثقافة الإسلامية» هذا العنوان يقع في الفصل الأول من كتاب «دراسات في الثقافة الإسلامية» الذي اشترك ستة أساتذة في تخصصات شرعية متنوعة بتأليفه ليقرر كمادة تدريس لجميع كليات الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب،  وأنا واحد من زملائي في قسم الدراسات الإسلامية الذين يدرسون هذه المادة في عدة كليات. ويذكر الكتاب ان الهدف الأول من أهداف دراسة الثقافة الإسلامية هو: «بيان العقيدة الإسلامية الصحيحة للمسلم، وتحريره من رق الخرافات والتقليد...» وعندما أنتهى من قراءة هذا الهدف أسأل طلبتي قائلاً: يا شباب هل العقيدة الواضحة التي عاشها الصدر الأول من المسلمين هي ذاتها التي يعيشها ويعتنقها الجماهير الغفيرة من المسلمين على امتداد العالم الإسلامي؟! وأكثر الطلبة يجيب بالنفي، فأعاود السؤال ثانية بطلب نماذج على الاضافات والتحريفات التي دخلت على العقيدة وكدرت صفوها؟! وهنا تتنوع اجابات الطلبة بحسب الصورة الذهنية التي لديهم عن معنى العقيدة وبحسب مفهوم الانحراف وضيقه او اتساعه في ثقافتهم وخبرتهم وأسأل أخيراً لماذا حصلت هذه الانحرافات ودخل في العقيدة ما ليس منها وتحولت في بعض البيئات إلى ما يشبه طقوس بعض الأديان الوثنية!! ويدور الحوار الممتع والمفيد من زوايا عديدة... يضيف فيها الاستاذ إلى حصيلته المستجدات التي يثريها به طلبته.

ومن مظاهر التخلف والتشويه للعقيدة الاسلامية والتي ساهمت عوامل بيئية وثقافية في انتشارها في مجتمعاتنا المسلمة وورثناها بالتقليد والاستسلام للتدين الشعبي الموروث من الآباء والأجداد في عهود الضعف والتراجع الحضاري... ما يحصل عند الاضرحة والقبور والمقامات والعتبات... الخ، فزيارة القبور سنة، والدعاء للموتى سنة، واستلهام تاريخ العظماء والصالحين السابقين منهج تربوي... ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، وانما عمّ العالم الإسلامي في القرون المتأخرة مهازل تحدث عند القبور يتداخل فيها الجهل الديني، بالاحباط النفسي بالاستغلال المالي لجيوب الزائرين بالطواف حول القبور بل السجود لها والاستغاثة وطلب النصر العسكري والنجاح في الزواج والتفوق في التعليم والقضاء على الفقر وقهر المستعمر واستمطار الرزق ويحصل كل هذا مقروناً بطقوس بعضها ساذج وبريء وبعضها غير ذلك... قبل بدء الفصل الدراسي الصيفي باسبوع زرت الصين فرأيت في محافظة (نينغشيا) ذات الأغلبية المسلمة كثيراً من السيارات مربوط حول المرايا الجانبية ومقابض الأبواب وأسفل السيارات خرق حمراء لافتة للنظر فلما سألت عن ذلك قالوا «هؤلاء البوذيون» وهذه الخرق للتبرك ودفع الضر، والعجيب أننا في عالمنا الإسلامي وعلى شبابيك المقامات والأضرحة تربط مثل هذه الحبال لذات الغرض!! لماذا؟ وما الأسباب والدوافع النفسية، الدينية، السياسية، الاجتماعية، المالية، الواعية وغير الواعية التي دفعت المسلمين الوقوع في مثل هذا النمط البدائي من التعبد!! هذا ما سنوضحه في المقال المقبل بالشواهد والدراسات، لكن اعجب من العجب ان يستجيب السياسي او المفكر او الفقيه او المصلح او المثقف لثقافة الجماهير الساذجة بغية اي هدف، فبدلاً من تصحيح مسيرة الناس ومفاهيمهم  تنقلب المعادلة الاصلاحية لتقوم الجماهير بتوجيه الرمز القائد أياً كان، أما اذا كان الرمز الثقافي أو السياسي او الديني لا يختلف في طريقة تفكيره عن الجماهير والعوام فهذه مصيبة اخرى.

لقد ساهمت المظاهر الطقوسية والخرافات المورثة التي استرقت الكثيرين من انتشار العلمانية بل والالحاد كردة فعل أبناء المجتمعات المسلمة المتخلفة من الذين فتحوا أعينهم على ثقافات متنوعة فظنوا ان هذه الطقوس من صميم العقيدة الإسلامية.

لقد عجبت وأنا أقرأ في التاريخ الإنساني والإسلامي خضوع الإنسان إلى اللامعقول في لحظات اليأس والضعف، والقبر او الضريح أو القبة احدى هذه الملاجئ لتخفيف الهم والهروب من الواقعية الشرعية إلى التأويلات البدعية، حتى قبر الطاغية (تيمور لنك) تحول إلى مزار!! قال المؤرخ ابن العماد في كتابه شذارت الذهب في أخبار من ذهب: «وتقصد تربته بالنذور للتبرك من البلاد البعيدة - لا تقبل الله ممن فعل ذلك - واذا مر على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه اجلالاً لقبره لما له في صدورهم من الهيبة».

ان اللجان العديدة التي راجعت مناهج التعليم مرات ومرات لتحريرها من أي اثارة لطائفية او شق الصف الوطني او اشغال المجتمع بأي فتنة أقرت هذه المناهج لاسيما ان اللجان منوعة ومحايدة، فعلى السيدة وزيرة التربية عدم الالتفات لأي تصعيد او تصريح سياسي يجعل من الحبة قبة ومن النملة فيلاً، وللحديث بقية.




محمد العوضي

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي