صليت فجر يوم الاثنين 14/7/2008 ثم دخلت مكتبتي وكان على طاولتي ثلاثة كتب للمفكر الكبير الذي رحل عن دنيانا قريباً الدكتور عبدالوهاب المسيري، الأول كتاب الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، الثاني اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود، والثالث «رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر» وبجوارها كتاب «حضارة الوجبات السريعة» لإيريك شلوسر الذي يتكلم عن الجانب المظلم للوجبات السريعة بتفصيل مذهل، ولهذا الكتاب صلة بما كتبه المسيري عن علمنة السلوك الشامل: الملابس، الجنس، الطعام، الأسرة، المناسبات الاجتماعية، المضيفة، السكرتيرة، الزواج، الرياضة، الموسيقى، الخ... في كتابه العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية وكتابه الآخر دراسات معرفية في الحضارة الغربية تحت عنوان: هيمنة الحداثة المنفصلة عن القيمة على الحياة اليومية... قرأت بعد صلاة الفجر من كتابه رحلتي الفكرية فصل «البيع والشراء بين التراحم والتعاقد» وفصل العلم والتقدم، وقرأت من كتابه اللغة والمجاز فصلاً يتجلى فيه المسيري بتبسيط المعرفة لغير المتخصصين في الفصل الرابع تحت عنوان: «هاتان تفاحتان حمراوان: دراسة في التميز وعلاقة الدال بالمدلول»، وغلبتني عيناي عن اعادة قراءة تحليل المسيري للداروينية الاجتماعية من كتابه «تفكيك الإنسان» والتي يعتبرها النموذج المعرفي الكامن وراء معظم الفلسفات العلمانية الشاملة، ان لم يكن كلها... استسلمت لقهر النوم فرأيت نفسي في المنام أهاتف المسيري ووالدي حفظه الله بجواري يستمع، ورغم ان المنام يتعلق بمهاتفة تلفونية ارضية من منزل الوالد، ان صورة المسيري كانت ظاهرة أمامي وهو يمسك بسماعة التلفون وكأن المحادثة المنامية مشهد تلفزيوني يضع المخرج المتصل والمتصل عليه في نفس الوقت على الشاشة بمربعين متجاورين.
فعن ماذا كانت المهاتفة؟ كنت أكلم المسيري عن الاعجاز العلمي في القرآن الكريم لاثبات إلهية مصدره ولإعادة اليقين لمن أهتزت قناعته بالقرآن اما فتنة وانبهاراً بالغرب أو جهلاً بأوجه اعجاز كتاب الله، ونقلت له كلام الدكتور صبري الدمرداش الذي قاله في حوار معي على الهواء مباشرة في احدى حلقات قذائف على قناة «الراي» فشرحت له قول الله تبارك وتعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة...) «آية 12 سورة الإسراء» وقلت له ان ما قاله المفسرون هو عين ما يقوله علم الفلك اليوم في أن القمر كان مشتعلاً كسائر الكواكب ثم طمس نوره، يقول ابن عباس كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر... ثم انتقلت إلى عرض قصة خطاب النملة في القرآن لأمة النمل وتفهم سيدنا سليمان معنى كلامها... وذكرت العالم النمسوي لورنس الذي درس النمل قرابة 35 سنة، واكتشف ان للنمل كلاماً وشفرات مدروسة، لغة للحرب ولغة للسلم ولغة للرحيل... الخ. قلت للمسيري - في المنام - لقد اعترض عليّ الدكتور الدمرداش عندما قلت له يعني النملة له صوت فقال لا... متألش صوت وإنما كلام لأن الصوت غير مفهوم كالطرق على الطاولة أما الكلام فشيء آخر... هذا ما أذكره من المنام وكان المفكر الكبير رحمه الله يستمع بتركيز ويقول أكمل وأحسست انه مسرور ولكن لم يفصح عن موافقة أو معارضة حول موضوع الاعجاز العلمي في القرآن الكريم.
والسؤال ما هو تفسيري للحلم في عصر كثرة الأحلام وازدياد عدد المفسرين؟ والجواب ان الحلم يفسر نفسه ولا يحتاج إلى مفسر؟ وسألت نفسي لماذا هذه الرؤية، فقلت انها حديث النفس لأني غفوت على كتب المسيري أو لأن موقف المسيري المتحفظ على التفسير العلمي والاعجازي للقرآن جعلني أتخذ من الرؤيا حيلة نفسية لارضاء الذات فحاولت استنطاق المسيري بما يرضي قناعاتي... ومن محاسن الاتفاقات ان قناة «الجزيرة» سجلت مع المسيري في 7/6/2008 حلقات من برنامج زيارة خاصة، أي قبل وفاته بشهر وعرضت الحلقة الأسبوع الماضي فكان مما قاله انه رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام وقال له إن الإنسان هو مركز الكون... وقال المسيري انني لست صوفياً ومع ذلك كان للرؤيا أثر... أقول: ان جهود المسيري تصب في إعادة الإنسان الذي صار شيئاً كما كتب في المقال الأخير الذي نشر يوم وفاته بعنوان «الإنسان الشيء»... أي المادي إلى الإنسان الإنساني الرباني فجاءت رؤياه تؤكد قناعته بصانع الحضارات وخليفة الله في الأرض... لقد تبنيت مفهوم العلمانية من حيث دلالة المصطلح المتطور عند المسيري في رسالة الدكتوراه والتقيت به وألقيت عنه محاضرة في البحرين قبل شهور بمناسبة نيله لجائزة استاذ الجيل ورأيته أخيراً في المنام ولم يبق إلا الأمنية الكبرى، وهي ان يحشرنا الحق سبحانه تحت لواء سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) آمين.
محمد العوضي