خيرالله خيرالله / حكومة لبنانية... أم خطوة على طريق الانقلاب الكبير!

تصغير
تكبير

تكشف الحكومة اللبنانية الجديدة التي شكلها فؤاد السنيورة عمق الهوة التي تفصل بين الموالاة والمعارضة. ليست الهوة على صعيد نوعية الوزراء وانتمائهم الوطني ومستواهم الأخلاقي في شكل عام فحسب، بل على صعيدي تمثيلهم الشعبي ونظرتهم إلى لبنان ومستقبله أيضاً. إنه لبنان العربي السيّد الحر المستقل الذي يرفض أن يكون «ساحة» لهذا الطرف أو ذاك. تبدو الحكومة التي شكلها الرئيس فؤاد السنيورة كي تكون الحكومة الأولى للعهد الجديد في مستوى طموحات اللبنانيين إلى حدّ ما. لماذا إلى حدّ ما؟ الجواب أو محاولة الجواب عن السؤال، أنه في ضوء الضغوط التي مورست على لبنان واللبنانيين، وهي ضغوط ارتدى جانب منها طابعاً أمنياً، يبدو تشكيل مثل هذه الحكومة بما ضمته من شخصيات وطنية بارزة على رأسها نسيب لحود بمثابة تعويض كبير عن الظلم الذي لحق بلبنان واللبنانيين مسيحيين ومسلمين. يأتي التعويض على اللبنانيين متأخراً قليلاً، وذلك بعدما خسر هذا الرجل الشهم الصادق النظيف الكف والناجح مقعده النيابي في المتن في ظروف أقل ما يمكن أن توصف به أنها جريمة ارتكبها أهل المتن في حق المتن أولاً وفي حق المسيحيين ولبنان ثانياً. إن توزير نسيب لحود الذي لا يوجد أدنى شك في أنه يمثل أفضل رئيس جمهورية للبنان في هذه المرحلة بالذات بمثابة إعادة اعتبار إلى المتن وإلى المسيحيين وإلى شهيد لبنان بيار أمين الجميل، الذي كان نائباً عن المتن، لدى اغتياله. إنه بعض من تعويض عن غياب ولو نائب متني واحد يستأهل أن يقف إلى جانب أمين الجميل أو نسيب لحود أو يصلح لذلك، باستثناء ميشال المر طبعاً.

مرة أخرى أظهر أمين الجميل أنه كبير عندما رفض إلا أن تكون مدينة زحلة البقاعية ممثلة في الحكومة أفضل تمثيل عن طريق وزير كتائبي يؤكد أن «عروس البقاع» وفية لتاريخها، كما ترفض القتل والقتلة والعملاء الصغار الذين يرتضون أن يكونوا أدوات لدى أدوات الأدوات، وأن يكون دورهم التستر على القتلة وحمايتهم. وقف أمين الجميل مع زحلة ومع كرامة زحلة المدينة المناضلة التي لعبت دوراً رئيسياً في التصدي لنظام الوصاية دفاعاً عن لبنان الحر السيّد المستقل وعن البقاع...

في المقابل، لا مفر من الاعتراف بالسلبيات. جاء فرض الثلث المعطل من داخل الحكومة بقوة السلاح. لا يمكن توجيه اللوم في ذلك إلى «حزب الله» حصراً. الحزب لا يمتلك حرية قراره بمقدار ما أنه كان عليه تنفيذ المطلوب منه في بيروت وفي حق أهل بيروت، رغم أن الطفل يعرف أن بيروت لا يمكن أن تخضع لأحد. تاريخها يدل على ذلك. لم تخضع لكل من حاول الاستيلاء على قرارها بما في ذلك آرييل شارون في العام 1982. سعت كل الميليشيات إلى الاستيلاء على بيروت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. بيروت لا تستسلم. بيروت رفيق الحريري لا تستسلم. بيروت صائب سلام لم تستسلم ولا يمكن أن تستسلم. ها هو تمام سلام يرفع راية بيروت عالياً في الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال سليمان. إن توزير تمام سلام بمثابة إعادة اعتبار لبيروت لا أكثر، وهو دليل آخر على أن بيروت تتسع للجميع، تماماً كما أرادها رفيق الحريري، وكما يريدها سعد رفيق الحريري!

يمكن الحديث طويلاً عن فضائل الوزراء الذين يمثلون الأكثرية أو رئيس الجمهورية في الحكومة الجديدة. يمكن الحديث عن وزير الدفاع الشهيد الحي إلياس المر وعن وزير العدل «القواتي» الدكتور إبراهيم نجار الذي يضع القانون فوق كل اعتبار... بما في ذلك المصالح الشخصية والحزبية. وعن يوسف سليم تقلا، المحامي، الذي في غنى عن أي شهادة من أي كان. لا يحتاج طارق متري إلى شهادة في الوطنية والترفع عن الصغائر، ولا حاجة إلى تعداد فضائل إبراهيم شمس الدين نجل الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي كان مدرسة في الوطنية اللبنانية والعروبة الصادقة، مثلما كان مرجعية دينية أسست لمدرسة شيعية منفتحة على الجميع تؤمن بلبنان أولاً، وبأن السلاح أي سلاح يجب أن يكون في خدمة الدولة اللبنانية.

في الإمكان التطرق إلى كثيرين آخرين من بينهم وائل أبو فاعور، الشاب الذي امتلك شجاعة ليس بعدها شجاعة في الدفاع عن مدرسة كمال جنبلاط الوطنية في أحلك الظروف. ولا يمكن بالطبع إلا التأكيد أن من حسنات الحكومة أن تكون السيدة بهية الحريري وزيرة للتربية، وهي التي أسست مدرسة مهمتها توفير العلم للبنانيين على خطى شقيقها الشهيد مع المحافظة على السلم الأهلي وعلى الإيمان بالقضية الفلسطينية واحتضان أبناء المخيمات ومنع التيارات المتطرفة من التسلل إلى صفوفهم، وذلك في ظروف في غاية الصعوبة والتعقيد. لا حاجة بالطبع إلى تعداد ميزات محمد شطح، وزير المال الجديد، الذي يخلف شخصاً في غاية الكفاءة اسمه جهاد أزعور... ولا حاجة بالطبع إلى شكر الوزراء الذين خرجوا من الحكومة على ما قدموه للبنان. وعلى رأس هؤلاء مروان حمادة ونايله معوّض وشارل رزق وأحمد فتفت الذي لم يتردد في قول كلمة الحق حتى لو كان عليه دفع الثمن من حياته. هؤلاء كانوا وزراء حكومة الاستقلال الثاني التي واجه بها فؤاد السنيورة السياسة الإسرائيلية التي تستهدف لبنان المزدهر والمستقر من جهة والمحاولات المستمرة للمحور الإيراني - السوري من أجل تقويض لبنان وإعادة الوطن الصغير إلى نظام الوصاية تنفيذا للخطة المرسومة منذ فترة طويلة من جهة أخرى. تلك الخطة التي كانت الحلقة الأساسية فيها جريمة اغتيال رفيق الحريري.

ما يبعث على التفاؤل أن الحكومة اللبنانية الجديدة التي تعتبر المولود الثالث لـ «اتفاق الدوحة» ضمت وزراء جيدين من المعارضة أيضاً. هؤلاء أبلوا البلاء الحسن عندما سُمح لهم بممارسة مهماتهم بعيداً عن الضغوط السياسية والاعتبارات الحزبية الضيقة. ولا بد هنا من الإشارة تحديداً إلى وزير «حزب الله» محمد فنيش الذي وضع مصلحة لبنان واللبنانيين فوق كل مصلحة عندما كان وزيراً للطاقة في الحكومة السابقة، والوزير الدكتور محمد جواد خليفة الذي لم يفرق يوماً بين لبناني وآخر في وزارة الصحة التي بقي مسؤولاً عنها. سعى الدكتور خليفة إلى تطوير الخدمات الصحّية بصفة كونه يمثل لبنان في الحكومة، وليس طائفة أو حركة مثل «أمل».

كان المولود الأول لـ «اتفاق الدوحة» وقف الاقتتال في بيروت بهدف وضع حدّ للفتنة الشيعية - السنية التي تشكل أكبر خطر على لبنان والمنطقة العربية عموماً. وكان المولود الثاني انتخاب رئيس للجمهورية. المولود الثالث هو الحكومة. يفترض أن يكون المولود الرابع فتح الجسور بين بيروت ودمشق بعيداً عن عقد الماضي. إنها حكومة الأمل بنقل لبنان إلى مرحلة مختلفة من دون أن يعني ذلك في أي شكل التهاون في قضية المحكمة الدولية...

يبقى أنه يؤمل بأن تمتلك الحكومة الجديدة ما يكفي من العصب لمواجهة المحاولات التي سيبذلها المحور الإيراني - السوري لجعلها مجرد خطوة أخرى على طريق تحقيق الانقلاب الكبير الهادف إلى إعادة لبنان إلى الوصاية عن طريق مجلس للنواب يمتلك فيه المحور أكثرية. مثل هذا الاحتمال وارد في حال أُجريت الانتخابات النيابية المقبلة بعد تسعة أشهر من الآن فيما سلاح «حزب الله» موجه إلى صدور اللبنانيين استكمالاً لمخطط مدروس كانت «غزوة بيروت» في مايو - أيار الماضي فصلاً من فصوله وحلقة من حلقاته. لهذا السبب، يفترض أن يكون هناك تركيز على البيان الوزاري للحكومة الذي ستنال على أساسه الثقة. أي تهاون في مجال التعاطي مع السلاح تحت تسمية «المقاومة» أو غيرها سيشكل ضربة للبنان وللمشروع الاستقلالي. المطلوب الحذر، ثم الحذر، ثم الحذر. المطلوب تذكير كل من يعنيه الأمر بنص خطاب القسم لرئيس الجمهورية الذي تعاطى بحكمة مع سلاح «حزب الله». والمطلوب امتلاك ما يكفي من الشجاعة لتأكيد أن القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن نتيجة حرب صيف العام 2006 حي يرزق، وأن كل ما فعله «حزب الله» منذ صدور القرار يتمثل في استخدام السلاح في الداخل اللبناني. هل من بلد في العالم يقبل بذلك؟ هل من بلد في العالم يقبل بأن تكون الدولة فيه تابعة لميليشيا تابعة بدورها لدولة أخرى؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي