منذ ما قبل الاجتياح الأميركي للعراق في العام 2003 والعرب مستسلمون للأمر الواقع. لعل أفضل دليل على ذلك، القمة العربية التي انعقدت في شرم الشيخ قبل أيام قليلة من بداية العملية العسكرية الأميركية. كان العرب جميعاً على علم بأن الحرب الأميركية على العراق صارت قدراً، لكنهم كانوا في الوقت ذاته يرفضون تصديق ذلك. تصرفوا من منطلق أن عليهم أخذ موقف مسبق من الغزو بدلاً من البحث جدّياً في كيفية التعاطي مع مرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين العائلي - البعثي. انعقدت القمة وكأن لا يزال هناك معنى لموقف عربي من الحرب. كان في الإمكان التحذير من نتائج حرب قررت الولايات المتحدة خوضها من دون إدراك للنتائج التي ستسفر عنها. ولكن كان لا بد في الوقت ذاته السعي إلى محاولة رسم استراتيجية لما بعد الحرب وكيفية التعاطي مع عراق جديد بدلاً من تركه فريسة للجهل الأميركي من جهة والأطماع الإيرانية من جهة ثانية... والإرهاب الذي تمثله «القاعدة» من جهة ثالثة وأخيرة.
احتاج العرب إلى فترة طويلة كي يبدأ تحرك ما تجاه العراق. بعد ما يزيد على خمس سنوات على سقوط نظام صدّام غير المأسوف عليه، لم يعد طبيعياً التفرج على ما يجري في العراق والاكتفاء بالقول إن البلد ضاع وإنه لم يعد جزءاً من المنظومة العربية وأنه صار مقسّماً أو أنه بلد من دون هوية واضحة. رغم تعقيدات الوضع العراقي والتهديدات التي يتعرض إليها البلد، أصبح الخيار واضحاً. إنه بين الوقوف على الحياد من جهة والسعي إلى لعب دور إيجابي في التأثير على الأحداث من جهة أخرى. بدل لعن الظلام، يمكن إضاءة ولو شمعة كما يقول المثل الصيني. ما يفعله بعض العرب الذين يمتلكون حدّاً أدنى من الرؤية المستقبلية في هذه المرحلة بالذات هو إضاءة شمعة في الظلمة العراقية بدلاً من الاكتفاء بلعن الظلام. هناك فرصة لتحرك ما في العراق. حسناً فعل من التقط الفرصة نظراً إلى أن العراق يشهد تطورات في غاية الأهمية لا يمكن تجاهلها في أي شكل. كل ما فعلته دولة الإمارات العربية المتحدة باستقبالها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أنها أضاءت شمعة في الظلمة العراقية مستثمرة في المستقبل العربي بدلاً من البقاء في أسر الماضي وعقده.
قبل كل شيء، لا مفرّ من الاعتراف بأن تحسناً طرأ على الوضع الأمني في هذا البلد العربي المهم الذي يُعتبر ركيزة من ركائز التوازن الإقليمي القائم منذ العشرينات من القرن الماضي بعد انهيار الدولة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى ونشوء الكيانات السياسية القائمة حالياً، ومن بينها العراق نفسه بحدوده الراهنة. ما يشير إلى تحسن الوضع الأمني في العراق توقف عمليات التطهير ذات الطابع المذهبي في مختلف مناطق العراق بما في ذلك بغداد. ثمة من يقول إنه لم تعد أحياء مختلطة في بغداد، وأن التطهير حصل ولم يعد مجال لإخراج السنة من الأحياء ذات الأكثرية الشيعية أو الشيعة من الأحياء ذات الأكثرية السنية، نظراً إلى أنه لم يعد هناك شيعة في الأحياء السنية ولا سنة في الأحياء الشيعية. هذا صحيح إلى حد كبير، ولكن ما لا بد من الاعتراف به في الوقت ذاته، وما قد يكون صحيحاً أكثر، أن الجو العام تحسن بعدما أظهرت حكومة المالكي أنها تعبّر إلى حدّ كبير عن رغبة في أن يكون العراق بلداً لجميع العراقيين أوّلاً، وأن يكون شيعة العراق مختلفين عن شيعة إيران، أي أن يكونوا عرباً غير تابعين لنظرية «ولاية الفقيه» التي تحاول إيران غزو العالم العربي من خلالها.
حصل تحسن في الوضع الأمني في العراق عموماً. لا يمكن تجاهل هذا الواقع. ما لا يمكن تجاهله أيضاً أن الإيرانيين لم يكونوا مرتاحين إلى نتائج معركة البصرة الأخيرة، ثم معركة السيطرة على مدينة الصدر في بغداد. لم ينتصر الجيش العراقي في تلك البصرة بشكل حاسم، إنما اضطر نوري المالكي إلى التوصل إلى اتفاق لوقف النار مع «جيش المهدي» الإيراني الذي يقوده مقتدى الصدر في مدينة قم الإيرانية بإشراف قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني». لكن ذلك لا يمنع من الإقرار بأن معركة البصرة كانت إشارة إلى رغبة المالكي في الحدّ من النفوذ الإيراني الذي يمارس عليه بشكل مباشر. إنه تحد كبير لرجل مثل رئيس الوزراء العراقي الحالي المحاط برجال تابعين للنظام الإيراني من كل حدب وصوب والذي يحاول القول إنه عراقي أولاً... وإنه غير مذهبي إلى حدّ ما.
لم يكن ممكناً ترك العراق فريسة لإيران. كان لا بد من مساعدة العراق والعمل في الوقت نفسه على إيجاد توازن معين في العراق يصبّ في مصلحة وحدة البلد أوّلاً من دون المس بالتنوع العرقي الذي يتميّز به والمحافظة على استقلاله النسبي عن إيران ثانياً وأخيراً. باختصار شديد، كان على العرب القيام بدور ما. زار وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد بغداد قبل نحو شهر، ثم عيّن الأردن سفيراً في بغداد مع استقبال الملك عبدالله الثاني لرئيس الوزراء العراقي في عمان. ترافق ذلك مع انفتاح كويتي وبحريني على العراق. لكن نقطة التحول ستظل تلك الزيارة التي قام بها المالكي لأبو ظبي يومي الأحد والإثنين في السادس والسابع من يوليو - تموز الجاري ومحادثاته مع كبار المسؤولين في الإمارات على رأسهم الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة وكبار المسؤولين في الدولة. لم تكتفِ الإمارات بتقديم الدعم السياسي للمالكي وحكومته وللعراق كعراق، بل شطبت في الوقت نفسه الديون العراقية والتي تبلغ نحو سبعة مليارات دولار. والمبلغ يشمل الدين الأصلي المترتب على العراق والفوائد على الدين. إنه رهان حقيقي على الاستقرار في المنطقة وفي العراق نفسه من أجل تأمين توازن يقوم أولاً وأخيراً على عراق متصالح مع نفسه قادر على احتواء مشاكله الداخلية ومعالجتها، بعيداً عن التأثير الإيراني وغير الإيراني... بما في ذلك التأثير الأميركي بحدود معيّنة طبعاً. لا يستطيع العراق في نهاية المطاف التعاطي مع الولايات المتحدة والتوصل إلى معاهدة أمنية معقولة ومتوازنة معها في غياب حدّ أدنى من التوازن في العلاقة بين الجهتين. هذا التوازن لا يؤمّنه سوى حد أدنى من الدعم العربي للحكومة العراقية بغض النظر عن مساوئها وشخصية المالكي نفسه والمخاوف مما يسميه بعضهم ميوله المذهبية الفاقعة. هذا الحدّ الأدنى من الدعم وفره للعراق العرب الواعون لخطورة ما يجري في أرض الرافدين في الوقت الراهن وللتحديات التي تواجه البلد. وفّر الدعم أولئك العرب الذين يراهنون على أن مصلحتهم تكمن في عراق مستقر متفاهم مع إيران، ولكنه ليس تحت سيطرتها.
كان التغيير في الأسلوب العربي في التعاطي مع شيعة العراق واجباً. ما يحصل حالياً على الصعيد العربي يمثل التغيير بحدّ ذاته. لم يكن منطقياً بقاء العرب بعيدين عن العراق. كان مطلوباً الإقدام على خطوة ما. يبدو أن بين العرب من هو على استعداد للإقدام على مثل هذه الخطوة التي تؤكد أن العرب ليسوا مذهبيين بمقدار ما أنهم يبحثون عن توازن إقليمي يضمن الاستقرار والأمن لكل دول المنطقة وشعوبها. كان لا بدّ من امتلاك ما يكفي من الشجاعة لخوض رهان من هذا النوع. إنه رهان على العراق وعلى عروبة العراق بمعناها المنفتح، أي على العروبة البعيدة عن أي نوع من أنواع التزمت، العروبة التي تتسع للعراقي الكردي والعراقي العربي والعراقي التركماني مثل اتساعها للعراقي الشيعي والعراقي السني والعراقي الأشوري والكلداني واليهودي وكل مكونات المجتمع من الطوائف والمذاهب الأخرى التي يمكن أن تخطر أو لا تخطر على بال... كان لا بدّ من خطوة عربية شجاعة على غرار تلك التي أقدمت عليها الإمارات. كان لا بدّ من إعطاء معنى لزيارة رئيس الوزراء العراقي للإمارات، معنى حضاري للزيارة، وهو ما حصل بالفعل. كان لا بدّ من إضاءة شمعة في الظلمة العراقية. هناك محاولات عربية في هذا الاتجاه وهي محاولات تستأهل التشجيع من دون أدنى شك.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن