علي غلوم محمد / غياب المشروعية الدستورية ثانياً

تصغير
تكبير

أبدأ من حيث انتهيت في مقالنا السابق، إذ انه وفي شتى الأحوال إذا ترسخت في المجتمعات المبادئ والقيم وتحولت إلى قيم مبثوثة في نسيج السلوك الفردي والمجتمعي، وعلى الصعد المتعددة، لما وصلت المجتمعات الى الصراعات المهلكة.

ومهما يكن الأمر فهذه المفاهيم لا تأتي قفزة واحدة ولا بضربة لازب، فالمجتمع الانكليزي والاميركي والفرنسي، وهي مجتمعات بلغت الذروة في الديموقراطية والتعددية عانت من أهوال وفجائع ومرارات اثر الحروب الأهلية المتكررة، فالمجتمع الاميركي لم يتبن مفاهيم وقواعد الديموقراطية والليبرالية السياسية والاقتصادية والتعددية واحترامه النادر لمبدأ الاختلاف، أقول الاختلاف وليس الصراع، الا بعد ان ضحى ببضعة ملايين من أبنائه بعد صراعات ومؤامرات ودماء ومجازر، فاجتمعت الارادة الاميركية الى الأخذ بنظير تلك القيم التي نراها اليوم متأصلة في الاحزاب والمؤسسات، ويحضرنا في هذا السياق الشعار الذي رفعته الامة الاميركية بعد الفراغ من حروب الاستقلال ابان عهد الرئيس جيفرسون «لا ضرائب بغير تمثيل نيابي».

ولا نقصد نحن في هذا الصدد ان تمر مجتمعات وبلدان العالم النامي بمثل هذه المراحل والادوار والصراعات، حتى نصل الى تلك القناعات والمفاهيم، بل علينا ان نطوي هذه المراحل ونفيد من دروس وتجارب الامم التي سبقتنا بنهضتها. بيد انه ينبغي ان نلمح الى ان بعض التغيير والاصلاح لا يتحقق ولا يصل الى غايته الا بنضال جميع الفئات والأحزاب والقوى الاجتماعية والنقابات، ولا سيما ما يصطلح عليه بـ «الانتلجنسيا» وهم الطليعة التي تضع الرأي وترشده وتقوده.

ان أي اصلاح لا يكون الا بحركة القواعد الشعبية وتصاعد هذه الحركة لتضغط على من هم في سدة الحكم لتجبرهم على اتخاذ القرار الذي تتطلع اليه، فالاصلاح حركة تتجه دائما من القاعدة الى القمة، ولعله من نافل القول ان النظام الديموقراطي خير الانظمة التي ابتدعها الانسان أو العقل الانساني، اذ لا يتبقى لدينا في حال ألغينا هذا النمط من الحكم غير ألوان أخرى من الحكم، كالنظام الشمولي الاستبدادي أو النظام الاوليغاركي ولا يجوز لنا ان نتصور النظام الديموقراطي نظاما كاملا ومطلقا، فالديموقراطية تشتمل على النواقص والعيوب، فهل هذه العيوب مبررات لالغاء المبدأ الديموقراطي؟ بالطبع لا، فتطوير الديموقراطية وترشيدها همارهن بتطوير الانسان وتهذيبه ورقابة الآليات التي بها تمارس الديموقراطية، وعلينا ان نتعهد لرعاية الانسان بالصقل والتهذيب ونهاية القول نصيحة للحكومة بألا تدافع عن «جمعية إحياء التراث» في هذه القوة إلا بعد التأكد.


علي غلوم محمد


كاتب كويتي

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي