لعل الشاعر أحمد رامي بعد رحيل السورية أسمهان شقيقة فريد الأطرش والتي سطع كوكبها في سماء مصر والعرب لم يجد أمامه إلا أم كلثوم ليكتب لها، وبعيداً عن الغموض في مقتل أسمهان وبعيداً أيضاً عن المتهمين بقتلها فإن أحمد رامي كتب (ليالي الأُنس في فيينّا) لِيُلحنها فريد الأطرش ولِتُغنّيها أسمهان، ولكنْ من كان يتوقع أن ينتقل الأُنس من فيينا إلى جنيف؟!
لا غرابة في الأمر إن كان الأخضر الإبراهيمي بدأ جولته الجديدة في سويسرا بتفاؤل اعتبر فيه مجرد حضور الطرفين السوريَّيْن انجازاً! ومع أن السيدَ الأخضرَ يحمل معه ملفاً أزرقَ والذي رصدته عدسات الإعلام فإن مسافة السبعة آلاف مليون ميل ضوئي تبدأ بخطوة واحدة! نعم يسجل التاريخ القديم وكذلك التاريخ الحديث والمعاصر ثنائيةً فريدة في العلاقات بين الشام ومصر؛ وبالتحديد بين دمشق والقاهرة - التي كانت تسمى الفُسطاط - وفي تسلسل العلاقات بين الطرفين نرصد حين تواصلهما تجلياتٍ في التقدم العلمي وقوة في مواجهة الأخطار المحدقة بهذه المنطقة من الساحل السوري شمالاً ونزولاً عبر لبنان وفلسطين ثم سيناء إلى مصر في هلال معتدل المناخ يجمع مقومات الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية والثروات الحيوانية والسمكية فضلاً عن ثروات من النفط ومخزون هائل من الغاز، ناهيك عن موقع جغرافي استراتيجي يربط بين أطراف الأرض، كل هذه الميزات التي لسورية ولمصر الثقل الأكبر منها ما هي إلا سلاح ذو حدّين: فإما أن تكون هذه الميزات في صالح سكان هذه المنطقة ومصدراً من مصادر قوة السوريين والمصريين ومن يوجد بين البلدين من فلسطينيين وأردنيين ولبنانيين، وإما أن تكون هذه الميزات في يد غيرهم فتكون سلاحاً ضدهم فتذهب قوتهم وتضيع قدراتهم!
لذا وجدنا هزيمة التتار (المغول) لم تكن إلاّ على يد السوريين والمصريين، واندحار الصليبيين وهم الغزاة القادمون من أوروبا لم يكن ذاك النصر الخالد في التاريخ على يد صلاح الدين الأيوبي إلاّ حين الوحدة بين مصر والشام، وفي تاريخنا القريب كان الحلم العربي في الوحدة بين السوريين والمصريين في فترة حُكم الزعيم جمال عبد الناصر كان حجر أساس ومقدمة لعمل عسكري مشترك ضد إسرائيل علم 1973م جمع بين السوريين والمصريين وساندهم آنذاك الملك الراحل فيصل بن عبدالعزير رحمه الله، وكان تنكُّبُ العرب للسادات آنذاك سبباً قوياً ليسوقَهُ تهوُّرُهُ حتى ينفُضَ يدَه من سورية ومن العرب جميعاً ويجلس إلى الإسرائيليين، لتكون بعد ذلك ذريعةُ قتله مقبولة عربياً وإسلامياً، واليد التي غدرت بالسادات سبقتْها يدٌ أخرى اغتالت الملك فيصل بن عبد العزيز، من الشام إلى مصر إنه هلال المنعة والقوة عند العرب ولا يضيءُ هذا الهلال إلاّ إذا خرجت مصر من عباءة معاهدة (كامب ديفيد) ووضعت يدها بيد سورية.
لم يتذوق العرب (ليالي الأُنس في فيينا)! لذلك نترككم سيداتي آنساتي سادتي: مع كلمات (مرسي جميل عزيز) وألحان (بليغ حمدي) مع صوت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم في (ألف ليلة وليلة) من جنيف!
[email protected]