«الراي» تكمل نشر فصول من ثلاثية «الحرب الكبرى بذريعة الحضارة» لروبرت فيسك / الجزء الثالث الحلقة السادسة عشرة
صدرت اخيراً عن دار المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت «ثلاثية» للصحافي البريطاني الشهير في جريدة «الاندبندنت» روبرت فيسك عنوانها العريض «الحرب الكبرى بذريعة الحضارة». وهي عبارة عن ثلاثة كتب «الحرب الخاطفة» «الابادة» و«الى البرية» مشكلة اطلالة تاريخية سياسية سوسيولوجية للنزاعات اللاهبة في الشرق الاوسط من ايران الى فلسطين مرورا بالعراق والخليج.
وبعد ان عرضت «الراي» أبرز ما ورد في الجزء الاول تبدأ الجزء بعرض الجزء «الثالث».
يقول فيسك في مقدمة ثلاثيته التي تنشر «الراي» فصولا منها: «عندما انطلقت لتدوين هذا الكتاب اردته ان يكون عرضا للاحداث بحسب تسلسلها الزمني في الشرق الاوسط على مدى ثلاثة عقود فهكذا كتبت كتابي السابق «ويلات وطن» وهو تقرير بصيغة المتكلم عن الحرب الاهلية اللبنانية والغزوتين الاسرائيليتين للبنان. ولكنني نقبت خلال الاوراق المتكدسة في مكتبتي التي تشمل اكثر من 350000 وثيقة وملف ودفتر ملاحظات كتبت بعضها بقلمي تحت وطأة القصف واثبت بعضها الاخر موظفو الاتصالات العرب المتعبون على اوراق التلغرافات ومنها ما ضرب ايضا على آلات الفاكس التي كنا نستخدمها قبل اختراع الانترنت. وبعد هذا الطواف بين تلك الاوراق الوثائقية، ادركت ان هذا الكتاب يكون مجرد تقارير شاهد عيان مرتبة بحسب تسلسلها الزمني».
ويضيف «اشعر بكل ذلك شخصيا لانني شهدت احداثا عبر الزمن لا يمكن ان نعرفها الا بانها عجرفة السلطة، كان الايرانيون يلقبون الولايات المتحدة الاميركية بانها «مركز الاستكبار العالمي» وكنت اضحك من ذلك لكنني بدأت افهم ماذا يعني هذا القول. فبعد النصرالذي احرزه الحلفاء عام 1918، قسم المنتصرون البلاد التي كانت تحت حكم اعدائهم السابقين وخلال 17 شهراً فحسب اوجدوا حدود ايرلندا الشمالية، ويوغوسلافيا، ومعظم الشرق الاوسط وقد صرفت كامل ايامي المهنية في بلفاست وسراييفو وبيروت وبغداد اشاهد الناس يحترقون ضمن تلك الحدود. لقد غزت اميركا العراق، لا من اجل اسلحة الدمار الشامل عند صدام حسين تلك التي دمرت منذ زمن طويل، بل من اجل تغيير خريطة الشرق الاوسط، على غرار ما فعل الجيل الذي كان ابي في عداده، منذ اكثر من ثمانين عاما فقد اسهمت الحرب التي كان احد جنودها في احداث اول ابادة جماعية في ذلك القرن ذهب ضحيتها مليون ونصف المليون نسمة من الارمن ممهدة بذلك للابادة الجماعية التالية لليهود في اوروبا».
ويتابع «ان هذا الكتاب يتمحور على التعذيب والاعدامات وربما فتح عملنا في الصحافة باب الزنزانة عرضا واتفاقاً وربما استطعنا احيانا ان ننقذ روحا من حبل المشنقة انما تجمع لدينا عبر الاعوام سيل من الرسائل المتزايدة الموجهة اليّ والى رئيس تحرير جريدة «الاندبندنت» يعرض فيها القراء افكارهم ويأسهم ويتساءلون كيف يمكنهم ان يسمعوا صوتهم عندما لا تعود الحكومات الديموقراطية تمثل المواطنين الذين انتخبوها فهؤلاء القراء يسألون كيف يقون اولادهم من السمّ الذي يقطر من قسوة هذا العصر؟ وكيف استطيع ان اساعدهم؟ فقد كتبت اليّ امرأة بريطانية تعيش في المانيا بعدما نشرت جريدة «الاندبندنت» مقالاً طويلاً لي عن اغتصاب نساء مسلمات في غاكو بالبوسنة، ان تلك النساء لم يحصلن على عناية طبية دولية او مساعدة نفسية او لفتة لطف واحسان بعد عامين من الاعتداء عليهن وبناء على ذلك، افترض اننا كصحافيين نحاول او يجب ان نحاول - في آخر المطاف. ان نكون اول شهود غير متحيزين على التاريخ. واذا كان هناك من سبب لوجودنا فيجب على الاقل ان نكون قادرين على ان نقدم تقارير عن التاريخ كما يحدث فعلاً بحيث لا يستطيع احد ان يقول: «لم نعرف لم يخبرنا احد بذلك ولكن هل نستطيع كصحافيين ان نؤدي هذه المهمة؟ ان هذا الكتاب لن يعطينا جواباً عن هذا السؤال لقد كانت حياتي كصحافي مغامرة كبرى ولا تزال ولكن عندما نظرت الى هذه الصفحات بعد شهورمن كتابتها وجدت فيها اوصافا للألم والظلم والرعب انها خطايا الأباء التي يصاب بها الابناء كما انها تدور في شأن الابادات الجماعية لقد كنت ادعو يائسا إلى ضرورة ان يحمل كل مراسل كتاب تاريخ في جيبه الخلفي، وفي عام 1992 كنت في سراييفو. فمرّت قذيفة صربية من فوق رأسي في لحظة خاطفة، لقد كنت واقفا في المكان الذي وقف فيه غافريلو برينسيب واطلق النار، فاشعل شرارة الحرب العالمية الاولى التي جرت والدي الى خنادق الحرب وبالطبع كانت الطلقات تترى في سراييفو عام 1991وكان التاريخ عبارة عن قاعة كبرى يتردد فيها الصدى، وكان ذلك العام هو التاريخ الذي مات فيه والدي، وها أنذا اضع بين يدي القارئ قصة جيله وجيلي».
أغا ممنون في «إلى البرية» / من وراء حرق بغداد؟
إن الحقيقة التي فشل الأميركيون، وبالطبع رامسفيلد، في فهمها هي أنه تحت حكم صدام كان الفقراء المحرومون هم المسلمون الشيعة وكانت الطبقة المتوسطة دائماً من السنة، وكان صدام نفسه سنياً. إذاً، أصبح السنة الآن يعانون الاضطهاد على أيدي الشيعة. لذلك كانت المعارك المسلحة التي اندلعت بين أصحاب الأملاك واللصوص صراعاً بين المسلمين السنة والشيعة. «من خلال فشلهم في إنهاء هذا العنف، من خلال تسعير الكراهية المذهبية بسبب كسلهم، يثيرالأميركيون الآن حرباً أهلية في بغداد».. بحسب ما كتبت تلك الليلة في «الإندبندنت»:
«تجولت في أنحاء المدينة لأكثر من ساعة. كانت المئات من الطرقات مغلقة بدشم وسيارات محترقة وجذوع أشجار يحرسها رجال مسلحون مستعدون لقتل الغرباء الذين يهددون بيوتهم ومحلاتهم... وقد غامر القليل من المارينز في التجوال في الضواحي أمس، متمركزين قرب المستشفيات التي نُهبت، لكن النيران ظلت تلتهب في أنحاء المدينة عند الغسق لليوم الثالث على التوالي. وكان مبنى البلدية يحترق ليلة أمس، وفي الأفق حرائق أخرى كبيرة كانت ترسل أعمدة من الدخان لعدة أميال في الجو. فات الأوان قليلاً بالأمس، توجهت مجموعة من المهندسين الكيميائيين وموظفي تنقية المياه إلى مقر قيادة المارينز طلباً للحماية حتى يعودوا إلى عملهم وجاء موظفو تأمين الكهرباء أيضاً. لكن بغداد أصبحت الآن مدينة في حالة حرب تحت رحمة المسلحين واللصوص. وقد صرخت بي امرأة بالإنكليزية: «أنت أميركي! إرجع إلى بلادك، أخرج من هنا، غير مرغوب بك عندنا، كرهنا صدام والآن نكره بوش لأنه يدمر مدينتنا». كانت رحمة لها أنها لم تستطع زيارة متحف الآثار لتشاهد بنفسها إرث الوطن ، وإرث المدينة ، وقد دُمر».
في الإتجاه الخطأ
وهكذا كان يوم 14 أبريل، يوم إحراق الكتب... أولاً جاء اللصوص، ثم جاء مضرمو النيران كان الفصل الأخير في نهب بغداد تحولت المكتبة الوطنية وسجلاتها، كنز ثمين من المستندات العثمانية تتضمن السجلات الملكية للعراق، إلى رماد تحت درجة حرارة تبلغ 3 آلاف. بعدها أُحرقت مكتبة القرآن في وزارة الأوقاف. شاهدت اللصوص، وقد شتمني أحدهم عندما حاولت أخذ كتاب عن الشريعة الإسلامية من صبي لا يتجاوز العاشرة من العمر. وبين رُكام مئات السنين من التاريخ العراقي، وجدت ملفاً في العراء: صفحات وصفحات ورسائل مكتوبة باليد بين بلاط الشريف حسين في مكة، الذي بدأ ثورة عربية ضد الأتراك بقيادة لورنس العرب، والولاة العثمانيين في بغداد.
ولم يفعل الأميركيون شيئاً كانت رسائل التوصية من بلاد السعودية منتشرة في الباحة القذرة، وكذلك طلبات الذخيرة للقوات العثمانية، وتقارير عن سرقة جمال وهجمات ضد الحجاج، مكتوبة كلها بخط يد عربي. كنت أحمل بين يدي آخر آثار التاريخ العراقي المكتوب. لكن بالنسبة إلى العراق، كانت هذه السنة هي السنة صفر مع تدمير الآثار في متحف الآثار وإحراق السجلات الوطنية وبعدها المكتبة القرآنية في الوزارة على بعد 500 متر.. لماذا أزيلت الهوية الثقافية للعراق، مَن أضرم هذه النيران، لأجل أي هدف حقير دُمر هذا الإرث؟
عندما شاهدت المكتبة القرآنية تحترق، كان اللهب يتصاعد من النوافذ بعلو 30 متراً، سارعت إلى مكاتب قوة الاحتلال، إلى مكتب الشؤون المدنية للبحرية الأميركية، للإبلاغ عما شاهدت صرخ ضابط بزميله أن: «هذا الرجل يقول إن بعض الكتب التوراتية تحترق». أعطيته خريطة المكان، والاسم الدقيق، بالعربية والإنكليزية، للمبنى، وقلت له إن الدخان يُرى على بعد ثلاثة أميال وأنه يحتاج إلى خمس دقائق فقط للوصول إلى هناك بالسيارة. بعد نصف ساعة، لم يكن هناك أي أميركي في المنطقة، وكان اللهب يتصاعد لمسافة 60 متراً في الجو.
مضى وقت كان العرب يقولون فيه إن الكتب تُكتب في القاهرة، وتُطبع في بيروت، وتُقرأ في بغداد. والآن يحرقون المكتبات في بغداد. لم تكن السجلات الوطنية متعلقة بالتسجيلات العثمانية للخلافة فقط، بل أيضاً بالأعوام القاتمة لتاريخ البلاد الحديث، روايات مكتوبة باليد عن الحرب العراقية، الإيرانية بين 1980 و1988 مع صور شخصية ومذكرات عسكرية، ومكتبة كاملة من الصحف الغربية، مجلدات من صحيفة «الفاينانشل تايمز» ملقاة على الرصيف مقابل وزارة الدفاع القديمة، ونسخ موثقة للصحف العربية يعود تاريخها إلى أوائل القرن العشرين أُحرقت أيضاً.
كانت بغداد لأكثر من ألف عام العاصمة الثقافية للعالم العربي، وأهلها الأكثر ثقافة في الشرق الأوسط.. وقد أحرق حفيد جنكيز خان المكتبة في القرن الثالث عشر وقيل آنذاك إن مياه الفرات أضحت سوداء من حِبر الكتب، وفي الوقت الحاضر، يملأ الرماد الأسود لآلاف المستندات القديمة المحروقة سماء العراق لماذا، مَن أرسل النهابين، مَن أرسل مُضرمي النيران، مَن دفع لهم، مَن يريد تدمير هوية هذا البلد؟ كان المشروع الأميركي في العراق يسير في الاتجاه الخطأ أسرع مما يمكن تصوره، وتحول جيش التحرير إلى جيش احتلال.
كان الأمر أسوأ مما يبدو في الظاهر، فقد أصدر الأميركيون «بياناً إلى سكان بغداد» وهو عبارة عن مستند تفوح منه الذهنية الاستعمارية ويفتقر إلى الإحساس يطلب البيان من سكان بغداد: «عدم مغادرة منازلهم في ساعات الليل من صلاة العشاء حتى صلاة الفجر فخلال هذا الوقت، تتحرك القوى الإرهابية المرتبطة بالنظام السابق لصدام حسين والعناصر الإجرامية الأخرى في المنطقة ويُرجى عدم مغادرة المنازل خلال هذه الفترة وفي كل الأوقات يُرجى التقدم بحذر من مواقع قوات التحالف العسكرية»
وبناء على ذلك، يجب على ملايين العراقيين الآن، المحرومين من الكهرباء والماء، البقاء في بيوتهم محبوسين، من المغرب حتى الفجر وهو شكل من أشكال السجن في وطنهم.
ويُعتبر البيان المكتوب من قِبل قائد وحدة البحرية الأميركية الأولى بمثابة حظر تجول ضمني وغير علني وقد صرخت به امرأة عربية البارحة: «لو كنتُ عراقية وقرأت ذلك لتحولتُ إلى انتحارية» وتسمع الكلام نفسه في جميع أنحاء بغداد، من رجال الدين الشيعة وصولاً إلى رجال الأعمال السنة، ومُفاده أن الأميركيين جاءوا من أجل النفط فقط وأن حرب العصابات ستبدأ قريباً جداً وليس هناك أدنى شك في إدعاء الأميركيين أن هذه الهجمات من تدبير بقايا نظام صدام، أو «العناصر المجرمة» لكن ليست هذه هي القضية.
تفاهة...أم إرادة؟
بالأمس، كان ضباط البحرية الأميركية يُجرون مفاوضات يائسة مع رجل دين شيعي مناضل من النجف لمنع اندلاع القتال حول المدينة المقدسة وقد قابلت رجل الدين قبل بدء المفاوضات وأبلغني أن: «التاريخ يُعيد نفسه» كان يتحدث عن الغزو البريطاني للعراق عام 1917 والذي انتهى بكارثة للبريطانيين ومن أجل الدخول من البوابة إلى مدينة الأنبار الصحراوية، تفاوض ضباط الاستخبارات الأميركية بالأمس مع زعماء القبائل في أفخم مطعم في بغداد.
كانت إمارات الانهيار في كل مكان. وفي كل مكان علامات على عدم احترام الوعود الأميركية بالتحرر والديموقراطية... هذا ما لاحظه البغداديون ، وما يلاحظه العراقيون في المدن الرئيسية للبلاد، الاستيلاء على جهاز الأمن الواسع الذي كان صدام يحيط نفسه به، غرف التعذيب والبيروقراطية الضخمة التي كانت قاعدة له. وعد الرئيس بوش أن أميركا جاءت من أجل حقوق الإنسان في العراق، وأن المذنبين ومجرمي الحرب سوف يُلقى القبض عليهم ويحاكمون. الآن أصبحت مقار الشرطة السرية في بغداد مهجورة بما فيها مقر قيادة المخابرات العراقية الذي تبلغ مساحته ثلاثة أرباع الميل، وقد شاهدت العديد منها. لكن لم يقم ضابط بريطاني أو أميركي واحد بزيارة تلك المراكز للبحث في المستندات القيمة الموجودة هناك أو التحدث إلى السجناء السابقين الذين يزورون أماكن تعذيبهم السابقة.. أكان ذلك تعبيراً عن تفاهة، أم إرادة؟
خُذ على سبيل المثال، مركز أمن القاسمية قرب نهر دجلة إنه فيلا جميلة، كان يملكها عراقي من أصل إيراني أُبعد إلى إيران في الثمانينيات، وأمامه حديقة صغيرة وأرض مزروعة.. للوهلة الأولى لا تلاحظ الخطاطيف الثلاثة في سقف كل غرفة، ولا حقيقة أن هناك قطعاً ضخمة من الورق الأحمر مزينة بصور لاعبي كرة القدم ملصقة على النوافذ لحجب الغرف عن الدخلاء. لكن على الأرض، في الحديقة، على السطح توجد ملفات المعاناة في هذا المكان. وهي تُظهر على سبيل المثال أن رئيس مركز التعذيب كان هاشم التكريتي وأن نائبه يُدعى رشيد النقيب. وقد وصف لي السجين السابق محمد عياش جاسم كيف كان معلقاً بالسقف من قِبل مُعذبه النقيب عامر العيسوي الذي كان يعتقد أن جاسم عضو في حزب الدعوة الديني.
أخبرني: «وضعوا يدي وراء ظهري هكذا وقيدوهما ثم رفعوني في الهواء من معصمي المقيدين. استخدموا رافعة صغيره لرفعي حتى السقف، ثم تركوا الحبل على أمل تحطيم كتفي عندما أسقط»، توجد الخطاطيف في السقف أمام مكتب النقيب العيسوي. وقد فهمت ماذا كان يعني ذلك لم تكن هناك غرفة منفصلة للتعذيب وغرفة للتسجيل في مكان آخر. كانت غرفة التعذيب هي غرفة المكتب أيضاً وبينما كان الرجل، أو المرأة، يصرخ من الألم أمامه، كان النقيب العيسوي يوقع أوراقاً، ويتلقى اتصالات تلفونية، وتدل محتويات سلة المهملات أنه كان يدخن عدة سجائر في انتظار المعلومات التي يريدها من السجناء.
هل كان هؤلاء الرجال وحوشاً؟ أجل. هل يظنهم الأميركيون كذلك؟ كلا. هل يعملون الآن للأميركيين؟ أجل، محتمل جداً في الواقع يمكن أن يكون بعضهم في الطابور الطويل لرجال الأمن السابقين، الذين يقفون كل صباح خارج فندق فلسطين على أمل إعادة توظيفهم من قِبل وحدة الشؤون المدنية للمارينز الأميركيين. إن أسماء الحرس في مركز القاسمية للتعذيب في بغداد ، كان المشاة ممنوعين من السير على الطريق في الخارج حتى لا يسمعوا الصراخ، مسجلة كلها في المستندات الملقاة على الأرض.
هؤلاء هم: أحمد حسن علاوي، وعقيل شهيد، ونعمان عباس، ومحمد فايد. لكن الأميركيين لم يزعجوا أنفسهم لمعرفة ذلك. لذلك فإن السادة علاوي، وشهيد، وعباس، وفايد مرحب بهم من قبل الأميركيين لطلب العمل.
هناك أوراق هويات سجناء على المكاتب وفي الخزائن. ماذا حصل لوحيد محمد، ومجيد طه، وصدام علي ولازم حمود؟ لن نعرف. تقدمت سيدة ترتدي ملاءة سوداء من مركز التعذيب القديم. لقد أُخذ أربعة من أخوتها إلى هناك وعندما ذهبت للسؤال عما حدث، قيل لها إن الأربعة أُعدموا. وطلب منها مغادرة المبنى. لم تشاهد أو تدفن الجثث أبداً... وأبلغني رجل أن أخاه أُحضر إلى هذا المكان المرعب منذ 22 عاماً ولم يره ثانية.
والرجال الذين عذبوا أيام حكم صدام، ماذا كان عليهم أن يقولوا؟ قال لي أحدهم وكانت وظيفته في السجن تتضمن تنظيف المشنقة من الدم والبراز بعد كل عملية إعدام: «لم نرتكب أي ذنب، لسنا مذنبين بأية تهمة، لماذا يفعلون ذلك بنا؟ أميركا، أجل تخلصت من صدام. لكن العراق لنا. نفطنا لنا سوف نحافظ على قوميتنا. سيبقى العراق على الأميركيين الرحيل».
مكان الشر الأكبر في العالم
لو أراد الأميركيون والإنكليز فهم طبيعة المعارضة الدينية هنا، فما عليهم إلا مراجعة سجلات ملفات الشرطة السرية لصدام وجدت أحدها، التقرير رقم 7481 تاريخ 24 فبراير من هذا العام، لأن المخابرات العراقية كانت لا تزال تعمل بجد ضد أعدائها الشيعة قبل أقل من شهر من الغزو الأميركي، حول الصراع بين الشيخ محمد اليعقوبي ومُقتدى الصدر (22 عام)، نجل محمد الصدر الذي أُعدم بموجب أوامر صدام منذ أكثر من عقدين، وهو خلاف يظهر في آن واحد الحماس الشديد والتصميم الذي يقاتل به الزعماء الدينيون الشيعة بعضهم البعض. لكن بالطبع لم يزعج أحد نفسه لقراءة هذه المادة أو حتى البحث عنها...
في نهاية الحرب العالمية الثانية، انتقل ضباط المخابرات الإنكليز والأميركيون الذين يتحدثون الألمانية إلى داخل الرايخ المهزوم للاطلاع على كل مستند في آلاف المكاتب العائدة إلى «الغستابو» في أنحاء ألمانيا الغربية. وفعل الروس الشيء نفسه في منطقتهم ولكن في العراق، تجاهل الأميركيون والإنكليز ببساطة الدليل الملقى في كل مكان للقراءة، وهناك مكان أكثر فظاعة كان على الأميركيين زيارته في بغداد، عنيتُ مقر قيادة المخابرات العامة، وهو مجمع ضخم مطلي باللون الرمادي قصفه الأميركيون... ومجموعة من الفيلات والمباني الرسمية المليئة بالملفات والأوراق والبطاقات.
إلى هذا المبنى كان يُؤتى بالسجناء السياسيين، المميزين لدى صدام، للتحقيق الوحشي، الكهرباء جزء أساسي منه، وإلى هنا أُحضر فرزاد بازوفت مراسل «الأوبزرفر» للتحقيق معه قبل إعدامه، والمبنى مزود أيضاً بأزقة، وحضانة أطفال، لعائلات المحققين، ومدرسة حيث كتب طالب موضوعاً بالإنكليزية عن مسرحية بيكيت «في انتظار غودو»، وكان هنا أيضاً مستشفى صغير وشارع اسمه «شارع الحرية»، ومصاطب ورد. إنه المكان الأكثر رعباً في كل العراق. وهناك التقيت، بشكل خاص، عالم ذرة عراقياً كان يسير خائفاً حول المجمع، وهو زميل للرئيس السابق لعلماء الذرة العراقيين الدكتور شهرستاني. قال لي: «هذا آخر مكان أردت رؤيته في حياتي، ولن أعود إليه أبداً كان هذا مكان الشر الأكبر في العالم كله».
لكن على الأميركيين زيارته. كان كبار رجال الأمن في نظام صدام مشغولين بإتلاف ملايين المستندات. وقد وجدت كومة كبيرة من أكياس الزبالة البلاستيكية السوداء خلف المبنى، في كل منها ألوف الأوراق الممزقة. ألم يجدر بهم أخذها إلى واشنطن أو لندن أو إعادة تجميعها لمعرفة شرورها؟ هذا ما فعله الإيرانيون بملفات السفارة الأميركية الممزقة في طهران عام 1980.
لكن مجدداً، لم يزعج الأميركيون أنفسهم، أو لم يرغبوا، في البحث في هذه الأوراق. ولو فعلوا لوجدوا أيضاً أسماء العشرات من مسؤولي المخابرات العراقية الكبار، والعديد منهم معرف به من خلال رسائل التهنئة، التي يصر رجال الشرطة السرية التابعين لصدام على إرسالها لبعضهم البعض في كل مرة يحصلون فيها على ترقية. أين العقيد عبد العزيز السعدي، والنقيب عبدالسلام سلاوي، والنقيب سعد أحمد العياش، والعقيد سعد محمد، والنقيب مجيد أحمد وغيرهم على سبيل المثال الآن؟ لن نعرف أبداً أو لا يُفترض بنا أن نعرف.
مدينة محروقة
هناك أيضاً الحرائق التي دمرت وزارات المدينة كلها، طبعاً باستثناء وزارة الداخلية ووزارة النفط، ومكاتب الأمم المتحدة، والسفارات ومجمعات الأسواق. وقد أحصيت حتى الآن 35 وزارة دُمرت بالنيران، ويزداد العدد. خذ على سبيل المثال المشهد الذي حصل يوم الأربعاء كنت أتجول في أنحاء بغداد عندما رأيت عموداً كبيراً من الدخان الأسود يتصاعد في الأفق. توجهت لرؤية الوزارة التي تُركت لتحترق. ووجدت نفسي أمام وزارة النفط، المحروسة بشكل جيد من قِبل القوات الأميركية، وكان بعضهم يضعون قِطع قماش على أفواههم بسبب سحب الدخان المتساقطة عليهم من وزارتي الزراعة والري المجاورتين. مشهد لا يُصدق، أليس كذلك؟... لم يكونوا قلقين لأن أحدهم أضرم النار في المبنى المجاور؟.
ثم راقبت حريقاً آخر أُشعل على بعد ثلاث كيلومترات. قدت سيارتي إلى مكان الحريق لأجد اللهب يخرج من نوافذ وزارة التعليم العالي، قسم علوم الكومبيوتر. وقربها مباشرة، كان جندي من البحرية الأميركية يقف بجانب حائط، قال إنه: «يحرس مستشفى مجاوراً ولم يعرف مَن أشعل الحريق لأنه لا يمكنك النظر في كل مكان في الوقت نفسه» أنا على يقين الآن أن عنصر البحرية لم يكن مازحاً أو غير صادق... وإذا كان الأميركيون لا يريدون تصديق هذه القصة، فإليكم اسمه: إنه العريف تيد نيهولم من الكتيبة الثالثة في الوحدة الرابعة من البحرية، وقد اتصلت بخطيبته جيسكا في الولايات المتحدة من أجل إبلاغها حبه. لكن شيئاً ما رهيباً كان يحصل عندما تُعطى الأوامر للجنود الأميركيين بمراقبة الوزارات الحكومية ببساطة وهي تُحرق على أيدي الرعاع وعدم القيام بشيء حيال ذلك.
وكان هناك أيضاً شيء آخر خطير جداً، ومزعجاً جداً، يتعلق بالجموع، إذ كانت تحرق مباني بغداد بما في ذلك المكتبات الكبيرة وملفات الدولة. هؤلاء ليسوا لصوصاً، يأتي اللصوص أولاً، ويأتي مضرمو النيران بعدهم في باصات زرقاء وبيضاء. وقد لاحقت أحدهم بالفعل بعدما أشعل النار بوزارة التجارة وخرج مسرعاً من المدينة. إن الرواية الأميركية الرسمية الآن حول كل هذا تقول بأن النهب هو انتقام، تفسير ضعيف جداً، وأن الحرائق أُشعلت من قِبل بقايا نظام صدام، أدوات الإجرام أنفسهم، بدون شك، الذين كانت لديهم صفة مميزة في تنفيذ أوامر المارينز بحظر التجوال على سكان بغداد.
لكن الناس في بغداد لا يصدقون أن المؤيدين السابقين لصدام يُشعلون هذه الحرائق. ولا أنا أصدق ذلك. ربما أراد صدام أن تنتهي بغداد مثل غوتردامرونغ، وربما أراد تحويلها إلى مدينة محروقة قبل دخول الأميركيين. لكن ماذا بعد ذلك؟ إن اللصوص يجنون مالاً من عمليات النهب ولكن مُضرمي النيران لا يجنون مالاً يجب أن يُدفع لهم. إن ركاب هذه الباصات موجهون بوضوح إلى أهدافهم. ولو كان صدام قد دفع لهم مسبقاً لأخذوا النقود وتناسوا إشعال الحرائق في اللحظة التي اختفى فيها صدام وتناسوا كل المشروع، ولما أضاعوا وقتهم في كسب المال المدفوع سلفاً.
إذن مَن هم، هذا الجيش من مُضرمي النيران؟ مجدداً، لا نعرف. تعرفت على أحدهم، ذلك اليوم، وكان رجلاً رجل متوسط العمر، حليق الذقن يرتدي قميصاً أحمر، لا تستطيع تغيير الملابس كثيراً عندما لا يكون لديك ماء للاغتسال، وفي المرة الثانية التي رآني فيها وجه رشاشه الكلاشينكوف نحوي. إن اللصوص لا يحملون أسلحة. إذن، مِم كان خائفاً، لمَن كان يعمل، لمصلحة مَن، الآن بعد الاحتلال الأميركي لبغداد، تدمير كل البنية التحتية الفعلية للدولة مع إرثها الثقافي، لماذا لم يوقف الأميركيون ذلك؟.
كما قلت، كان شيء غير عادي يحصل هنا في بغداد... وبطلب ممن يحصل؟ إن هذه الأسئلة يجب أن توجه إلى حكومة الولايات المتحدة. لماذا، على سبيل المثال، ادعى وزير الدفاع الأميركي الأسبوع الماضي أنه لا يوجد نهب على نطاق واسع أو تدمير لبغداد؟ كان تصريحه كذباً. لكن لماذا صرح بذلك؟ يقول الأميركيون أن ليست لديهم قوات كافية لاحتواء الحرائق، وهذا أيضاً غير صحيح. إذا لم تكن لديهم قوات، فماذا تفعل هذه المئات من الجنود المنتشرة في حدائق النصب التذكارية للحرب العراقية ـ الإيرانية القديمة طيلة النهار، أو مئات الجنود المعسكرين في حدائق الزهور لقصر الرئيس قرب جسر الجمهورية؟. لذلك كان أهالي بغداد يسألون مَن يقف وراء تدمير الإرث الثقافي، هويتهم الثقافية المهمة، ونهب الكنوز الأثرية من المتحف الوطني، وإحراق السجلات العثمانية كاملة، والسجلات الملكية والرسمية، والمكتبة القرآنية، والبنية التحتية الواسعة للدولة التي ندعي أننا سنؤسسها لهم. لماذا، يسألون، لم يعد لديهم كهرباء أو ماء؟ لمصلحة مَن يجري تفكيك العراق، تفتيته، حرقه، تدمير تاريخه، تدميره؟ لماذا صدرت أوامر مِمن يُسمون أنفسهم محررين بفرض منع التجول على ملايين الناس؟ من السهل على مراسل التنبؤ بالخراب، وبخاصة بعد حرب قاسية فاقدة لكل شرعية دولية. لكن الكارثة تنتظر عادة المتفائلين في الشرق الأوسط، ولاسيما منهم المتفائلون المزيفون الذين غزوا الدول الغنية بالنفط بأعذار عقائدية، وادعاءات أخلاقية فضفاضة، واتهامات مثل حيازة أسلحة الدمار الشامل التي لم تثبت بعد. لذلك سأقوم بتنبؤ مخيف.
إن حرب أميركا للتحرير قد انتهت وحرب العراق للتحرر من الأميركيين على وشك البدء وبتعبير آخر، إن القصة الحقيقية والمخيفة تبدأ الآن.