علي محمد الفيروز / إطلالة / النشاط الإسرائيلي الاستيطاني... والصمت الدولي

تصغير
تكبير

وجهت إسرائيل ضربة جديدة للجهود العربية وللجهود الأميركية المبذولة للتوصل الى اتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني، تمثل اصرارها على الاستمرار في بناء المستوطنات والجدار الفاصل في الضفة الغربية المحتلة ومدينة القدس المحتلة، وهو ما يؤدي الى زيادة التوتر بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، رغم المطالبات المستمرة من السلطة الفلسطينية لإنهاء خطة الاستيطان على الأراضي الفلسطينية. غير أن القيادة الاسرائيلية ماضية بانتهاك المزيد من الحقوق الفلسطينية عن طريق طرح مناقصات سكنية لبناء المزيد من الوحدات السكنية، مثل بناء 121 وحدة سكنية في منطقة جبل أبوغنيم في القدس الشرقية، وبناء 763 وحدة في الحي الاستيطاني بسغات زئيف، بالاضافة الى طرح مناقصة أخرى لبناء 600 وحدة سكنية قي الحي الاستيطاني «بيتار عيليت» جنوب شرقي القدس، رغم ردود الافعال العربية والأوروبية التي انتقدتها بشدة، اذ اعتبرتها قرارات انفرادية وخطيرة للغاية، وتمثل طعنة حقيقية للجهود الدولية من أجل احلال السلام بالمنطقة. في حين اعتبرت السلطة الفلسطينية ان هذه القرارات اللاإنسانية تعد اعتداءً صارخاً على الأراضي الفلسطينية التي يمتلكها الشعب الفلسطيني، وتتساءل السلطة عن أهمية اتفاقية «جنيف الرابعة» وعن المعاهدات والمواثيق الدولية، غير أن الحكومة الاسرائيلية غير مكترثة بما يجري، وماضية ايضاً بخرق البيان المشترك الصادر عن «مؤتمر أنابوليس» الذي وافقت فيه، تحت رعاية أميركية، على تنفيذ التزاماتها خصوصاً ما يخص البند الأول من «خارطة الطريق» التي تقضي بوقف الاستيطان الاسرائيلي وبالانسحاب الى حدود 28 سبتمبر عام 2000، ونستغرب هنا من دور الادارة الأميركية الصامت، ودور اللجنة الرباعية من القرارات الاسرائيلية الانفرادية حول الاستيطان، والتي من شأنها تهديد عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، وأيضاً نستغرب من الصمت المريب للمجتمع الدولي تجاه ما يحدث على الأراضي الفلسطينية المحتلة!، ثم أين مواثيق الأمم المتحدة والقانون الدولي من عشرات الفلسطينيين المهددين بالمبيت في الشوارع بعد أن نفذت السلطات الإسرائيلية مخططاتها في هدم البيوت والمزارع دون سند قانوني؟ فالاحتلال الاسرائيلي يتعمد استهداف المنازل والمزارع والممتلكات الفلسطينية لتحويلها الى مناطق يهودية، ويقوم بإجبار السكان على الخروج من أراضيهم بكل الوسائل الملتوية دون النظر الى خطر التشرد!، هناك أوامر اسرائيلية قد صدرت بهدم ما يقارب الـ 3000 مبنى جميعها يمتلكها الفلسطينيون في الضفة الغربية، من دون الاكتراث الى ما سينتج عن ذلك، ومتجاهلة تماماً فتوى «محكمة لاهاي» تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حين تكتفي الأمم المتحدة بإصدار تقريرها الدوري فقط!، ناهيك عن مدينة القدس المحتلة التي لا يتوقف فيها النشاط الاستيطاني بسبب الرغبة القصوى في تهويد المدينة المقدسة على الرغم من اصرار سكانها الأصليين على التمسك بأراضيهم التي يمتلكونها والتي ورثوها من الأجداد، الا انها من المناطق المعرضة أكثر من غيرها للهدم وتشريد سكانها.

وعلى ضوء هذه الأحداث، يبقى الإعلان الصهيوني عن انشاء المزيد من الوحدات السكنية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة خطوة نحو تعزيز الأطماع عن طريق التوسع في الاستيطان، وسط المحاولات المبذولة للوصول الى اتفاق بين الطرفين بشأن الدولة الفلسطينية بحلول نهاية العام المنصرم، والسؤال هنا: هل يجوز الحديث عن تفعيل محادثات السلام بين القادة الفلسطينيين والاسرائيليين في ظل التوسع الاستيطاني وابقاء الجدار الفاصل؟ ألا يرى المجتمع الدولي ان الاستمرار في الاستيطان سيعرقل الجهود المبذولة من أجل السلام؟

ان الازمة السياسية الاسرائيلية في الداخل قد تتضاءل أكثر فأكثر، ولن يصل الطرفان الاسرائيلي الفلسطيني إلى اتفاق سلام قبل نهاية 2008، بعد ان تعرض رئيس وزرائها ايهود أولمرت إلى فضيحة مالية جديدة يحيطها الفساد، والتي ربما تعرضه إلى الاستقالة من منصبه مجبراً، ناهيك عن التوسع في الأطماع، والمضي قدماً في طرح المزيد من مناقصات البناء، فهناك توجه لبناء أكثر من 800 وحدة سكنية في جنين بالقدس الشرقية وهو الأمر الذي يدل على مدى التعنت الإسرائيلي والإصرار على سياسة الاستيطان، وانتهاك أي مسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، فالجميع يدرك بأن الاستيطان والسلام خطان متوازيان لا يمكن ان يلتقيا! وفي ظل هذا التخبط الإسرائيلي لعملية السلام نتساءل عن الشروط المنصوص عليها بخطة «خارطة الطريق» وبالذات فيما يتعلق بعملية التجميد الكامل لنشاطات الاستيطان؟ وهل فعلاً استطاعت القيادة الإسرائيلية ان تلتزم بالشرط المتعلق للنمو الطبيعي في خارطة الطريق؟

للأسف ان ما يقوم به الرئيس الفلسطيني محمود عباس من تكرار اللقاءات مع رئيس وزراء إسرائيل ايهود أولمرت هو مضيعة للوقت لا طائل من ورائها سوى تعمد الحكومة الاسرائيلية استكمال خطتها التوسعية في البناء والتعمير داخل القدس المحتلة، والضفة  الغربية، وتشريد المئات من الشعب الفلسطيني إلى الشارع، وقد أكد هذا الموقف رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع حينما قال: «ان إبرام اتفاق بين اسرائيل والفلسطينيين في هذا العام يحتاج إلى معجزة بسبب الفجوة الكبيرة التي تفصل بين الطرفين».

وإضافة إلى استحالة أي تقدم ملموس يفيد الطرفين، ناهيك عن الانقسام الداخلي بين الفصائل الذي يخدم العدو الصهيوني، ولا يخدم القضية الفلسطينية أساساً، فالجانب الإسرائيلي لا يتعامل بجدية مع العملية السياسية بما في ذلك المفاوضات الجارية لأنه يرفض ايجاد تسوية سياسية عادلة استناداً الى الشرعية والقانون الدوليين، رغم علمه ان هذه التسوية هي الطريقة التي يتم بها التخلص من الاحتلال، كما انه يوفر غطاء للأمن والاستقرار لكلا الطرفين على حدود عام 1967، ولكنه عاد اليوم ليلوح بشن عملية عسكرية قاسية على قطاع غزة والقطاعات الأخرى نزولاً إلى رغبة ضغط رأي عام نفد صبره من استمرار مقاومة الفصائل الفلسطينية للعدو الصهيوني، عن طريق اطلاق المزيد من الصواريخ الفلسطينية الصادرة من كتائب القسام التابعة لحركة «حماس» في حين يقف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مكتوف الأيدي، ليس لديه سوى ادانة ما يقوم به الفلسطينيون باستمرارهم اطلاق الصواريخ على اسرائيل من غزة! كما يحاول رئيس طاقم المفاوضات الفلسطيني أحمد قريع في الوقت الحالي ايجاد اتفاق مع القادة الإسرائيليين من خلال مسودة مبنية على اتفاق سلام بين الطرفين، ولكن ما فائدة إعداد وثيقة لا تتضمن بنودها القضايا الأساسية الجوهرية، مثل قضايا القدس واللاجئين والحدود والتوسع الاستيطاني، وهل يجب علينا الرجوع إلى المربع الأول في كل قضية يتبناها الشعب الفلسطيني؟

وفي النهاية أريد القول إن ما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت من مناورات عسكرية ومفاوضات سياسية مع الرئيس عباس هو لضمان استمراره في موقعه السياسي بعد الفضيحة المالية الكبرى التي اتهم فيها بالفساد!


علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي