«الراي» تكمل نشر فصول من ثلاثية «الحرب الكبرى بذريعة الحضارة» لروبرت فيسك / الجزء الثالث الحلقة السادسة
صدرت اخيراً عن دار المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت «ثلاثية» للصحافي البريطاني الشهير في جريدة «الاندبندنت» روبرت فيسك عنوانها العريض «الحرب الكبرى بذريعة الحضارة». وهي عبارة عن ثلاثة كتب «الحرب الخاطفة» «الابادة» و«الى البرية» مشكلة اطلالة تاريخية سياسية سوسيولوجية للنزاعات اللاهبة في الشرق الاوسط من ايران الى فلسطين مرورا بالعراق والخليج.
وبعد ان عرضت «الراي» أبرز ما ورد في الجزء الاول تبدأ الجزء بعرض الجزء «الثالث».
يقول فيسك في مقدمة ثلاثيته التي تنشر «الراي» فصولا منها: «عندما انطلقت لتدوين هذا الكتاب اردته ان يكون عرضا للاحداث بحسب تسلسلها الزمني في الشرق الاوسط على مدى ثلاثة عقود فهكذا كتبت كتابي السابق «ويلات وطن» وهو تقرير بصيغة المتكلم عن الحرب الاهلية اللبنانية والغزوتين الاسرائيليتين للبنان. ولكنني نقبت خلال الاوراق المتكدسة في مكتبتي التي تشمل اكثر من 350000 وثيقة وملف ودفتر ملاحظات كتبت بعضها بقلمي تحت وطأة القصف واثبت بعضها الاخر موظفو الاتصالات العرب المتعبون على اوراق التلغرافات ومنها ما ضرب ايضا على آلات الفاكس التي كنا نستخدمها قبل اختراع الانترنت. وبعد هذا الطواف بين تلك الاوراق الوثائقية، ادركت ان هذا الكتاب يكون مجرد تقارير شاهد عيان مرتبة بحسب تسلسلها الزمني».
ويضيف «اشعر بكل ذلك شخصيا لانني شهدت احداثا عبر الزمن لا يمكن ان نعرفها الا بانها عجرفة السلطة، كان الايرانيون يلقبون الولايات المتحدة الاميركية بانها «مركز الاستكبار العالمي» وكنت اضحك من ذلك لكنني بدأت افهم ماذا يعني هذا القول. فبعد النصرالذي احرزه الحلفاء عام 1918، قسم المنتصرون البلاد التي كانت تحت حكم اعدائهم السابقين وخلال 17 شهراً فحسب اوجدوا حدود ايرلندا الشمالية، ويوغوسلافيا، ومعظم الشرق الاوسط وقد صرفت كامل ايامي المهنية في بلفاست وسراييفو وبيروت وبغداد اشاهد الناس يحترقون ضمن تلك الحدود. لقد غزت اميركا العراق، لا من اجل اسلحة الدمار الشامل عند صدام حسين تلك التي دمرت منذ زمن طويل، بل من اجل تغيير خريطة الشرق الاوسط، على غرار ما فعل الجيل الذي كان ابي في عداده، منذ اكثر من ثمانين عاما فقد اسهمت الحرب التي كان احد جنودها في احداث اول ابادة جماعية في ذلك القرن ذهب ضحيتها مليون ونصف المليون نسمة من الارمن ممهدة بذلك للابادة الجماعية التالية لليهود في اوروبا».
ويتابع «ان هذا الكتاب يتمحور على التعذيب والاعدامات وربما فتح عملنا في الصحافة باب الزنزانة عرضا واتفاقاً وربما استطعنا احيانا ان ننقذ روحا من حبل المشنقة انما تجمع لدينا عبر الاعوام سيل من الرسائل المتزايدة الموجهة اليّ والى رئيس تحرير جريدة «الاندبندنت» يعرض فيها القراء افكارهم ويأسهم ويتساءلون كيف يمكنهم ان يسمعوا صوتهم عندما لا تعود الحكومات الديموقراطية تمثل المواطنين الذين انتخبوها فهؤلاء القراء يسألون كيف يقون اولادهم من السمّ الذي يقطر من قسوة هذا العصر؟ وكيف استطيع ان اساعدهم؟ فقد كتبت اليّ امرأة بريطانية تعيش في المانيا بعدما نشرت جريدة «الاندبندنت» مقالاً طويلاً لي عن اغتصاب نساء مسلمات في غاكو بالبوسنة، ان تلك النساء لم يحصلن على عناية طبية دولية او مساعدة نفسية او لفتة لطف واحسان بعد عامين من الاعتداء عليهن وبناء على ذلك، افترض اننا كصحافيين نحاول او يجب ان نحاول - في آخر المطاف. ان نكون اول شهود غير متحيزين على التاريخ. واذا كان هناك من سبب لوجودنا فيجب على الاقل ان نكون قادرين على ان نقدم تقارير عن التاريخ كما يحدث فعلاً بحيث لا يستطيع احد ان يقول: «لم نعرف لم يخبرنا احد بذلك ولكن هل نستطيع كصحافيين ان نؤدي هذه المهمة؟ ان هذا الكتاب لن يعطينا جواباً عن هذا السؤال لقد كانت حياتي كصحافي مغامرة كبرى ولا تزال ولكن عندما نظرت الى هذه الصفحات بعد شهورمن كتابتها وجدت فيها اوصافا للألم والظلم والرعب انها خطايا الأباء التي يصاب بها الابناء كما انها تدور في شأن الابادات الجماعية لقد كنت ادعو يائسا إلى ضرورة ان يحمل كل مراسل كتاب تاريخ في جيبه الخلفي، وفي عام 1992 كنت في سراييفو. فمرّت قذيفة صربية من فوق رأسي في لحظة خاطفة، لقد كنت واقفا في المكان الذي وقف فيه غافريلو برينسيب واطلق النار، فاشعل شرارة الحرب العالمية الاولى التي جرت والدي الى خنادق الحرب وبالطبع كانت الطلقات تترى في سراييفو عام 1991وكان التاريخ عبارة عن قاعة كبرى يتردد فيها الصدى، وكان ذلك العام هو التاريخ الذي مات فيه والدي، وها أنذا اضع بين يدي القارئ قصة جيله وجيلي».
الوباء في «إلى البرية»/ مشاهد بصراوية من ذاكرة إنكليزية
في أواخر التسعينات، أصبحت تقاريري من العراق يومية وكنت أرزح معنوياً تحت ثقل ما نفعله، وما فعلناه لهذا البلد. كيف يستطيع العراقيون في بغداد تأمل المستقبل عندما يعيشون من خلال بيع آخر مُقتنياتهم في سوق ميدان؟ في أحد أيام فبراير 1998، وجدت على الأقل مئة رجل مريض وبضع نساء يقفون تحت المطر خلف القبة الضخمة الرائعة لمسجد جماعة القشلة، تنتشر عند أقدامهم الأشياء المثيرة للشفقة المعروضة في أي سوق شعبي في العالم: مجموعة من قطع الأدوات الصحية الصدئة، وقطع سيارات قديمة، وبعض الأحذية القديمة وأجهزة التلفزيون المحطمة الموضوعة على عربة وهي أجهزة قديمة من الخشب والشاشات الصغيرة لعصر ما قبل البعث. نظرت إلي امرأة ترتدي عباءة سوداء وتُدعى ليلى، قالت: «عملتنا لا قيمة لها، وحده الله يمكن أن يساعدنا».
مشاهد متشابهة
مازال لدى سهاد مال، وهي زوجة ديبلوماسي سابق من الطبقة الوسطى يطل منزلها على ضفاف نهر دجلة. كان عمرها 81 عاماً وأمضت فترة طويلة في الهند حيث تعلمت العقيدة الهندوسية المتعلقة بالصبر الطويل، قالت بأسلوب ناعم: «لقد تغيرنا جميعاً في الأعوام السبعة الماضية، نحن نتقبل الحياة كما هي، إذا لم نستطع الحصول على أدوية نظيفة سوف نعود إلى الأدوية القديمة. لدي مشكلة في الركبة، صديقتي تصنع لي دواءً من عشبة قديمة استخدمها الصينيون منذ ألفيْ عام، وأنا أشرب منها كل صباح وركبتي بحال أفضل الآن».
شقيقة سهاد عمرها 85 عاماً، قالت: «نحن نعيش من يوم ليوم ومن ساعة لساعة، هذا جزء من حياتنا المتغيرة بالنسبة إلينا، أصبح التخطيط الآن رفاهية. أنا لست في حالة توازن، فلماذا أزعج نفسي بذلك؟ الآن أريد الحصول على زهرة من حديقتي لأنظر إليها خلال اليوم». في ردهة منزلهما القديم مجموعة من صور أجدادهما الأتراك الذين يرتدي بعضهم، لباس الجيش العثماني، الجيش الذي قاتل ضده تشارلز ديكنز من كتيبة شاير في بلاد ما بين النهرين، والذي قاتل ضده جندي المدفعية الاسترالي فرانك ويلز في غاليبولي. قالت سهاد: «هكذا نستجمع قوتنا إنها مستمدة من جذورنا العربية والجورجية والكردية والتركية». قابلت سيدة مسنة أخرى محترمة في اليوم نفسه، امرأة باعت تقريباً الكؤوس الزجاجية كلها من طراز باكارا، قالت لي: «اشتريت هذه الكؤوس في زيارتي الأولى لباريس، عام 1947، لكنني الآن بحاجة إلى المال، لذا قلت فلتذهب إلى الجحيم، لقد كانت عندي لفترة طويلة وتمتعت باستخدامها لذا أتخلى عنها. بعتها مقابل بعض المال، لم يبقَ لدي سوى إبريق ومغرفة».
أجل، العراقيون شعب فخور، لكن للفقراء حيزاً خاصاً، مجنوناً، عليهم العيش فيه. عبر المصب الهادئ لنهر دجلة، استمرت بغداد بالتحلل بعيداً، أرصفتها مغطاة بالعشب، والأشجار تنمو في الطرق التحتية للمدينة، وتمتلئ ساحات سكة الحديد بالعربات الصدئة والفارغة. حتى صور صدام أصبحت باهتة بفعل شمس الصيف. وبينما تأكل العقوبات كل كائن حي باستثناء المركز الفاقد الحس للنظام نفسه، ينتشر جيش من الشحاذين على طول الطريق.
كانت النساء والأطفال يأتون ويطرقون على الأبواب وعلى شباك سيارتي في وسط بغداد طالبين المال والطعام.
صبي صغير، تملأ الدموع وجهه المعفر بالتراب، لا يتعدى عمره أعواماً أربعة، حافي القدمين، يرتدي سترة كبيرة مليئة بالثقوب، مد يده عبر شباك السيارة وصرخ: «أعطني مالاً»، وكان يركل الباب ويحدق إلي عبر الزجاج ويفرك عينيه لذرف الدموع، أو أكان ذلك عادة؟ بعد ساعة على الرصيف، هاجم ثلاثة أطفال لارا مارلو من صحيفة «الأيريش تايمز» وهاجموني، كانوا أكبر سناً هذه المرة، وتشبثوا بمعاطفنا وهم يصرخون: «مال» حتى أعطيناهم دولاراً. تمسكوا بحقائبنا طلباً للمزيد حتى دفعناهم عنا منددين بتهجمهم. أكانت مادلين أولبرايت لتعطيهم دولاراً؟ أم تعطيهم محاضرة عن شرور زعيمهم والحاجة إلى عقوبات الأمم المتحدة، وأسلحة الدمار الشامل؟ في المقهى الوحيد المحترم قرب الفندق، كانت تُسمع أغنية مسجلة لدوريس داي، كانت تغني «que sera sera»: ما سيحصل سيحصل... بينما كان الشحاذون يراقبون من خلال النوافذ «ما سيكون سيكون وليس المستقبل بيدنا».
في طريقي من بغداد إلى البصرة بصحبة لارا، أعطيت فتاة فقيرة 250 ديناراً عراقياً (أي ما يعادل أقل من 14 سنتاً) فرأيت أصدقاءها يلقونها على الأرض ويأخذون المال من يدها الوسخة. البصرة الآن تبعث على الأسى أمام منزل فاطمة حسن، كان سائل أزرق فاتح وأبيض يتدفق إلى المجرى المفتوح، ولم يستطع بابها الحديدي إخفاء الرائحة الكريهة أو صوت صراخ الأطفال الحفاة في الشارع. كان القفز فوق هذا المجرور والوثب فوق مجاري القذارة تمضية للوقت لدى أطفال ضاحية دورشعون. قف عند باب منزل فاطمة يهرولوا نحوك، مقرحين، وجوههم ملطخة باللبن، وعيونهم واسعة القزحيات، بيضاء عاجية بسبب سوء التغذية. وثمة امرأة جميلة مشرقة ترتدي عباءة سوداء مع عصبة بيضاء على رأسها، قدمت إلينا ابنتها رولا البالغة من العمر ثمانية أعوام، ثم قالت فجأة: «رجاءً خذوها معكم»، تبلغ المرأة الثلاثين من عمرها، وهي مستعدة للتخلي عن ابنتها.
لدى فاطمة خمسة أولاد، كان زوجها يعمل دهان سيارات في الكويت قبل غزو صدام لها، وهو الآن بائع سندويشات. قالت: «لا نأكل البيض أو الحليب، ولا نستطيع أكل اللحم، ونشرب المياه الملوثة ولا نغليها ابني الصغير يعاني من مشاكل في التنفس، وهذا أيضاً بطنه منتفخ بسبب الماء نذهب إلى المستشفيات، لكن الأطباء يقولون إنه لا توجد أدوية... أينما ذهبنا، يقولون لا توجد أدوية».
في الخارج امرأة أكبر سناً، ترتدي ملابس سوداء وتشق طريقها بين الصبية الأشقياء. قالت: «عندي شخصان مُقعدان في عائلتي، حرارتهما مرتفعة ولديهما تقرح في الحلق، هل تستطيعون أخذهما معكم إلى أوروبا؟». شرحنا لها أننا لسنا أطباء، لكنها رفعت في وجهنا ورقة صفراء سميكة مع تقرير عن مرض وهن العضلات الذي يعاني منه أهلها. بعد نصف ساعة، تخدرت يدي التي أكتب بها نتيجة الجوع وتسجيل الأمراض: طفل يعاني من فقر الدم، وآخر من مشاكل في التنفس، وثالث لا يستطيع السيطرة على تبوله ويبدو أنه يحتضر صرخت بي امرأة أخرى: «متى سترفعون العقوبات؟ أولادنا بحاجة إلى الطعام واللباس».
في آخر الشارع، يرتفع صوت بوق ثمة رجل ضخم بيده طبل وجندي مسن مُنحن يحدد الوقت لمجموعة من ثلاثين رجلاً في منتصف العمر، وهم شبه ملتحين، ويحملون رشاشات الكلاشنيكوف، ويرتدي معظمهم ملابس بالية، إنهم الجيش الشعبي للأب، فدائيو صدام، يستعدون لمواجهة أميركا. ساروا حول إشارة مرور، بينما الأطفال ينشدون. بعد ذلك، عاد الأولاد إلى القفز فوق المجرور، وكنت أذكر نفسي بأن هذا هو البلد الذي يهدد العالم كله، استناداً إلى كلينتون وبلير.
ميناء البصرة
توجهنا نحو ميناء البصرة القديم، المرفأ الذي استخدمه الإنكليز عام 1914، والذي زاره مرة في أواخر القرن الثامن عشر الشاب هوراثيو نلسون.
وأعلن علي العمارة بفخر: «أشرف على هذا المرفأ خمسة رجال إنكليز حتى عام 1958. كان أول رئيس مجلس إدارة هو جون وارد من عام 1919 إلى عام 1942، وبعده وليم بينيت حتى عام 1947، وكانا رجلين طيبَين جداً، عام 1958 تسلم الإدارة السيد شعاوي وكان رجلاً طيباً جداً أيضاً». لا إشارة إلى الثورة العراقية عام 1958 التي أنهت الإشراف البريطاني على مرفأ البصرة القديم وعلى العراق. لكن لماذا الفظاظة في مكان بهذا العجز؟ اليوم، مازالت أرصفة المرفأ مزينة بورود «تودور» الأنيقة، لكن الحجارة الإردوازية سقطت عن سطوح المكاتب الاستعمارية القديمة. وقد تآكلت خطوط سكة الحديد التي أُنشئت عندما كانت البصرة ميناء دولياً.
ممر شط العرب الواسع البطيء الحركة، الخطير والمثقل بالموت في تاريخ العراق الحديث، كان ينساب حول السفن القديمة المربوطة بالرصيف. هنا مركب الصيد «ياسمين» الذي مازال من الممكن أن نقرأ ما كان مكتوباً من كلمات تحت طلائه الأسود: لورد شاكلتون، ميناء ستانلي (جزر فوكلاند)... وهناك ناقلة النفط ويستاريا بوزنها البالغ 6742 طناً يقوم القيمون عليها بتفكيكها ببطء... سألت ثلاثة موظفين عراقيين عند الرصيف، مَن أشعل النار فيها؟ رد أحدهم: «أصابها صاروخ إيراني عام 1981». لكن زميله تمتم بالعربية: «قل له إنهم الأميركيون»، ثم قال الجميع: «إنهم الأميركيون»!
تعيش مدينة البصرة على المزاعم... يقولون لك لو لم يهاجم الإيرانيون العراق ويغلقوا النهر عام 1980، لكان العراقيون هم الذين هاجموا إيران؛ لو لم تفرض الأمم المتحدة عقوبات على العراق بعد الحرب العراقية - الإيرانية... ويفترض بنا أن ننسى القضية الصغيرة التي اسمها غزو العراق للكويت عام 1990. حتى السفن غيرت أسماءها بإحراج... فقد كانت سفينة الشحن أكتوسارا «Atco Sara»، وفق الاسم نصف الممحي تحمل اسم باسيفيك بروسبكتور في إيلينوي وقبل ذلك نورثرن بيلدر «Northern Builder»، وكانت هناك آلة رافعة يدوية ومجموعة من الرافعات الصدئة تحمل اسم شركة توماس سميث وأولاد ليدس «Thomas Smith and Sons of Leeds» على لوحة معدنية ولم أتمالك أن أتذكر كيف وصلت إلى المدينة ومينائها منذ 18 عاماً. شاهدت هذه السفن تحترق. عند أسفل النهر كانت الجزيرة التي أبحر منها جون سنو لإنقاذ طاقم سفينة الشحن العالقة «التنين»، بينما جلست على ضفة النهر أنتظره... كان الرصاص الإيراني الخطاط يطلق باتجاهنا على ضفة نهر شط العرب المظلمة، وكنت عند هذا الجانب من الرصيف على متن سفينة الشحن اليوغوسلافية قد أخذت خرائط الممر لجون والغطاسين العراقيين الذين ذهبوا لإنقاذ الطاقم وكنت أخرج كل صباح من البصرة مع غافين هويت من «البي بي سي» لأشاهد الحرب الدائرة التي ستدمر الجمهورية الإسلامية، والآن يحصد العراقيون نتيجة العاصفة.
خلفنا الآن كانت الساحات المرصوفة مليئة بقطارات الشحن الطويلة... عربات رمادية كبيرة مترابطة للذهاب في رحلة كان يجب أن تبدأ عام 1980. كانت الشاحنات الآن مليئة بالشجر والعشب... مشى السيد العمارة بمحاذاة الأحواض، وقال: «خذ ما تريد من الصور، فلولا العقوبات لكان هذا المرفأ نظيفاً ويعمل».
كان هناك كلب مسن ينام على الأرض تحت مؤخرة السفينة «ويستيريا» التي كانت سلالمها ملقاة على السطح حيث كانت منذ 18 عاماً. ومازالت قذيفة فارغة موجودة قرب أحد المجاري الكريهة للمدينة، وبالطبع ليست تلك التي أصابت مبنى المحافظ المحترق خلال انتفاضة 1991 من قِبل الغالبية الشيعية في البصرة، والذي استُبدل الآن بكتل إسمنتية خرسانية. وليست القذائف التي أطلقت على سيارات شرطة المدينة، التي استبدلت الآن كما حصل في جميع أنحاء العراق بسيارات هيونداي كبيرة جديدة، استهزاء أخيراً بمجاعة الشعب الذي يُفترض بالشرطة أن تسيطر عليه وعلى شاشة التلفزيون القديم في غرفة فندقي في البصرة، كان صدام يتصدر مجلس قيادة الثورة ويروي نكتة اعتبرها ضباطه سخيفة، وعندما ضحك انفجر نوابه بالضحك.
تماثيل «الأبطال»
إن «كورنيش الشهداء» يُصحح أي سوء فهم عن العدو، فعلى طول الضفة الغربية لشط العرب وخلف الأبواب الرطبة لفندق شيراتون البصرة يقف «الأبطال» الموتى لحرب صدام الدائرة. وبالنسبة إلى هؤلاء الـ 36 جندياً عراقياً من بين نصف مليون على الأقل، فإن الموت لم يكن من دون نتيجة. كان النصب البرونزي لكل رجل، والمأخوذ من صورته يشير، عبر الممر المائي الموحل باتجاه جبهة الحرب داخل إيران، إلى حيث قتل. وتقول اللوحة على كل نصب: «عرفاء، رقباء، نقباء، مقدمون وعقداء كلهم شهداء حرب القادسية».
كانت تماثيل الجنود التي تعادل ثلاثة أضعاف حجمهم الطبيعي معرفة بالاسم إلى جانب تمثال ضخم عند الضفة يمثل ابن عم صدام، الجنرال عدنان خير الله أحد أكبر القادة العسكريين العراقيين وأكثرهم شعبية، ربما الأكثر شعبية بالنسبة إلى صدام، «يقف مواجهاً» رجال المدفعية ويده اليمنى مرفوعة تحية لشجاعتهم وقد توفي خيرالله بشكل مأسوي، كما أوردت الصحافة العراقية في ذلك الوقت، في حادث تحطم طائرة الهليكوبتر التي كانت تقله بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية تحت هذه التماثيل، كان الصبية الأشقياء يبيعون صحفاً قديمة بقيمة 12 سنتاً للرزمة.
إنهم بعيدون قدر الإمكان عن طوابير الطعام، وهم على حدود إيران محصورين بين شكوك إيران إلى الشرق والكراهية إلى الجنوب، واحتقار الغرب المسيطر من خلال السفن الصدئة والأبراج العملاقة من الموتى. كنت في كل ليلة قضيتها في العراق، أضرب على جهاز الكمبيوتر المحمول المتضررة شاشته جزئياً، مدوناً معاناة العراقيين وغضبهم العارم وفي 16 أكتوبر 1998، كتبت هذا التقرير الذي أرسلته إلى صحيفتي تلك الليلة من بغداد، وهو تقرير سأقرأه مجدداً عام 2003 بعد أن احتللنا العراق ووجدنا أنفسنا نواجه ثورة ضارية.
كانت الأنوار الساحرة تضيء مطعم بابيش للمشاوي في شارع الرئاسة. نوافذ مطلية بألوان ساخرة تحمي الزبائن. لأنه مطعم من الدرجة الأولى لزبائن كبار معظمهم من موظفي الأمم المتحدة. يستطيع العراقيون الجوعى الذين لا تبهرهم الأنوار الساحرة الجلوس في الخارج على الطاولات المضاءة بالشموع والأجانب في الداخل يشقون طريقهم نحو لحم البقر والدجاج المشوي والأطباق الثانوية من الفاكهة والخُضر أو الطبق الخاص ببابيش، سلطة القريدس وعلى أنغام موسيقى هادئة يقوم المضيفون ذوو السترات البيضاء بخدمة أحسن رجال الأمم المتحدة، رجال العقوبات ومفتشي ومفتشات الأسلحة الذين يحاولون جاهدين وقف المعاناة التي سببها الرجال في ذاك المبنى الزجاجي على الضفة الشرقية على بعد 5990 ميلاً.
لكن بمعزل عن المضيفين المرتدين ألبسة بيضاء، ومهما كنت تفعل، إياك أن تذكر السفينة تيتانيك فقد عرض التلفزيون فيلم جيمس كامرون الـ«تيتانيك» مرات ثلاث (فهو يستطيع أن يتناسى حقوق المؤلف) على أنه بلسم للحرمان، الموازي في بغداد للخبز والاحتفالات. لكن بعكس سفينة تيتانيك ليس لدى بابيش طعام للدرجة الثالثة. إنه مطعم للذين يحسبون المال بالكيلو عوضاً عن أوراق الدينار العراقي. واليوم بينما يساوي الدينار 0006.0 من الدولار ويحتاج طعام لثلاثة أشخاص إلى رزمة من 488 ورقة من فئة المئة دينار، رزمة من الأوراق النقدية بسماكة حذاء. ولا عجب إذا توقف بعض المقاهي عن عد ما يدفعه الزبائن من مال، واستعاضت عن ذلك بوضع المال على ميزان.
وهكذا فإنك لا تستطيع نسيان جمهورية ويمار في بلد يستطيع قروي أن يكسب فيه 3400 دينار في الشهر تقريباً، دعني أكرر: 3400 دينار في الشهر تساوي دولارين. مما يعني أن طعامنا في بابيش كلف 14 مرة الراتب الشهري لموظف عراقي، إذاً، لماذا لا تحصل مظاهرات من أجل الطعام؟ لماذا لا تحصل ثورة؟
إستقل أي باص من شارع الرشيد إلى الجزء القديم من المدينة لكي تعرف السبب! تمتد المجارير كالبُحيرات، جنباً إلى جنب، كتلة قذرة من سائل لونه أخضر باهت يمتلك جماله المخيف. هذا ما يحصل عندما تنقطع الكهرباء وتصبح محطات تكرير المياه ومجاري المياه مهملة باعة الأدوات في شارع الرشيد ـ حيث تذهب لتشتري محولاً شريط كهرباء، بطارية أو لمبة ـ يلتصق باعة الأدوات الكهربائية بالجدران مثل الراهبات لإبعاد القذارة عن أحذيتهم البلاستيكية. قال لي رجل ضعيف ملتح عندما سألته عن فانوس كهربائي: «فعلتم ذلك بنا». يمكن شراء الفانوس فقط من محل للبضائع الأجنبية في الضواحي بسعر 20 دولاراً أي ما يساوي 5.9 مرات الراتب الشهري لقروي عراقي... اضطهدِ الناسَ إلى هذا الحد البائس يصبح البقاء على قيد الحياة أكثر أهمية من الثورة، هذا ما لم تختَر السرقة على الطريق السريع. لا أقصد النوع الممارس في مطعم بابيش، بل على الطريق الطويل غرباً إلى الأردن أو جنوب البصرة. قال لي سائقي على بعد 100 كيلومتر من بغداد على الطريق إلى عمان: «هناك قتلوا الأردني»، إشارة خالية من المسؤولية إلى الديبلوماسي الذي اختار السفر ليلاً ودفع الثمن. لا تتوجه إلى البصرة بعد منتصف الليل خوفاً من الجنود الفارين الذين تحولوا إلى الإجرام لإبقاء عائلاتهم على قيد الحياة (أو هكذا تقول الإشاعات).
لم أصدق... إلى أن كانت لحظة مغادرتي البصرة بعد ظهر يوم حار، ومروري عبر الأحياء الفقيرة ببُحيراتها المليئة بالقاذورات التي هي أكثر سخونة من تشكيلة بغداد، لأن حرارة الخليج ترفع درجة سخونة كل سائل، ورؤيتي مجموعة من الرجال والنساء المحزونين يخدشون وجوههم بأظافرهم، وهم يحملون أمامهم جثة طفل يدخلونها في سيارة تاكسي برتقالية وبيضاء على الطريق الرئيسي. ثم رأيت فتى في السادسة عشرة من عمره تقريباً يقفز إلى بُحيرة القاذورات قرب الطريق السريع ويمرغ جسمه بالنجاسة، ويصرخ غاضباً ويضرب يديه في المياه الخضراء بحيث يلوث المحزونين كلهم بالقذارة.
إلى أين يقود الفقر والجوع الناس؟ لقد اكتشفت ذلك بسرعة. على بعد سبعين ميلاً إلى الشمال من البصرة حيث الطريق سراب بين معسكرات صدام حسين التي لا تنتهي، والتي تقمع عرب المستنقعات، يمكن رؤية مجموعة من الفتيات يرتدينَ قبعات حمراء تشبه العمائم وملابس سوداء، وهن ملثمات مثل الطوارق، يرقصن، وفي الواقع يدرنَ ويدرنَ على الخط السريع حيث توقفنا. تقدمت إحداهن من شباك السائق، نظراتها ناعمة، وصوتها خشن، وهمست: «تعال اشترِ سمكاً، تعالَ شاهدْ سمكنا وسوف ترغب في شرائه منا».
لفظت الكلمة العربية، سمك، مع فحيح، وتحرك السائق بطريقة ماكرة. ربما كان عمرها 16 عاماً، ولم تكن تبيع السمك... وعندما أدركنَ أننا لسنا زبائن، تراجعت فتيات السمك إلى الخط الفرعي لعرض أنفسهن أمام شاحنة مسرعة. أجل، تستطيع أن تنسى إسقاط صدام حسين، وتدع جانباً تدمير القصور الفخمة والبُحيرات المزينة والردهات المليئة بالأعمدة لكنني أعجب كيف يستطيع العراقيون في شارع الرئيس مقاومة الرغبة في تحطيم نوافذ مطعم بابيش والدخول لتمزيق زبائنه قطعاً وربما اختيار البقايا الغريبة من اللحوم المستوردة طعاماً لهم...