قبل ان تولد القنوات الفضائية الكويتية الخاصة كتبت مقالا خلاصته تلفزيون الكويت وتحدي الحريات، وكنت صريحا في المقال من خلال النموذج الذي اردت ان امتحن فيه حريتنا الاعلامية فبينت ان كانت هناك مصداقية لمفهوم الحرية عندنا فليفتح تلفزيون الكويت المجال للمفكر السياسي الدكتور عبدالله النفيسي ليدلي برأيه في القضايا السياسية العامة المحلية والاقليمية والعالمية ورؤيته في الاحداث الكبرى القائمة واثرها علينا امنيا وسياسيا واقتصاديا... ورغم أنني لست يائسا من مغامرة تلفزيون الكويت في استضافة الدكتور النفيسي، الا انه كان لديّ شبه يقين بان الجبن سيكون غالبا على اجهزتنا الرسمية ... ومنذ ميلاد الفضائيات الخاصة، والتي تحرص على الشخصيات الكاريزمية وتبحث عن التفرد في البرامج ورغم ذلك فإنه في موسم الانتخاب الماضي الذي لم يبق احد الا وادلى بدلوه في الانتخابات مهما كان متواضعا في فهمه وبسيطا في اهدافه وسطحيا في برامجه الاصلاحية وفوضويا في نقده لمخالفيه، وصغيرا في همومه ... لم يشاهد الناس الدكتور النفيسي على اي شاشة من تلك الشاشات. والسؤال لماذا؟ فلنطرح احتمالات عدة الاول: ان النفيسي اعتزل الاعلام، الثاني انه لا يخرج في اي برنامج وإنما ينتقي المكان والزمان والموضوع الذي يناسبه، الثالث ان هناك اوامر بعدم خروجه محليا.
الرابع: ان الفضائيات لا تبحث عن الجودة والتأصيل والعمق وانما تحرص على الاثارة والسرعة.
وفي تصوري قد تتداخل الاسباب ولكن الذي اعرفه ان الدكتور عبدالله النفيسي من النوع الذي يحترم نفسه ويحترم جمهوره فهو لا يستجيب لاي دعوة ولا يوافق على اي قضية والعنصر الثاني الاهم في شخصيته انه لا ينطلق من قضاياه التي تناولها من مراعاة الجماهير ليدغدغ مشاعرها لجلب مزيد من المؤيدين وانما ينطلق من قناعاته التي يزينها بصراحته ولو غضب عليه القوم من اي مكان يحاضر فيه، ومثال ذلك محاضرته الاخيرة التي ألقاها في الدوحة بتاريخ 29/4/2008 حيث وجه نقدا صريحا لسلبية بعض الجماهير هناك ولاستراتيجيات التطبيع... ويمكن مشاهدة هذه المحاضرة الرائعة على اليوتيوب وغيرها... وامر ثالث بالنسبة لاطروحات النفيسي انه وهو يحاضر لا يتكلم من منطلق اقليمي وكأنه مندوب دولة يبرر كل شيء حتى ولو كان غير منطقي... كلا ... الدكتور عالمي يتجاوز التوظيف او الخوف من التصنيف، وانما يقول كلمته التي يعتقد انها حق ... ابدا الدكتور غير معتزل فهو في كل شهر تقريبا له ندوة او محاضرة ويحظى بترحيب لافت في عالمنا الاسلامي، لاسيما من النخب الثقافية واصحاب الهموم التي تتجاوز الذات وانانيتها ... لا اذهب إلى بلد للمشاركة بأي نشاط ثقافي الا واحس ان النفيسي احد اهم الرموز التي اسأل عنها لحضورها الثقافي والفكري في وجدان الجماهير ... قد يختلف البعض معه وهذا شيء طبيعي ... ولكن اشهد باننا خسرنا الدكتور النفيسي في الوقت الذي ربحه الآخرون.
محمد العوضي