علي محمد الفيروز / إطلالة / الجدل السياسي الأميركي على بقاء الجنود في العراق

تصغير
تكبير

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستجرى في نوفمبر المقبل قام الحزب الديموقراطي في مجلس النواب الأميركي برئاسة نانسي بيلوسي بعرقلة مشروع القانون المقدم من الحكومة في شأن تمويل الحرب في العراق وأفغانستان، إذ إن خطوة إقرار موازنة قيمتها 163 مليار دولار لتمويل الحرب ليست بالأمر السهل على الميزانية العامة وسط معارضات عدة للطريقة التي تدار بها تلك المعارك الطاحنة، في حين أقر مجلس النواب بندين آخرين في المشروع ذاته لأسباب وجدها ضرورية، منها سحب القوات الأميركية من العراق في غضون ثلاثين يوماً، وأن يكون ذلك منتهياً قبل شهر ديسمبر عام 2009.

أما البند الآخر فهو مخصص لتعليم الجنود العائدين من الحرب وأن يكون التمويل الآخر بمساعدة فئة التجار وأصحاب الأموال الكبيرة في الولايات المتحدة، بيد أن الرئيس الأميركي جورج بوش لن يرتاح إلا بعد إقراره واعتماده كجزء من تعهداته التي قطعها على نفسه في سبيل إنهاء أجندته الخاصة في العراق سواء إن كانت دفاعية أو أمنية، وقد كان الحزب الديموقراطي في مجلس النواب ومجلس الشيوخ يأمل بفرض تغييرات نسبية على السياسة الأميركية الحالية في العراق، إلا أن هذا المشروع أدى إلى وجود انقسامات داخل الحزب الديموقراطي بين مؤيد ومعارض بسبب استمرارية الحرب الطاحنة في العراق منذ أعوام خمسة لا جدوى منها سوى مواجهة الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات، غير أن الرئيس الأميركي على علم بما يدور ولن يبقى مكتوف الأيدي حيال الطريقة التي يتبعها الديموقراطيون من ألعاب سياسية أو تكتيكات مبنية على إقامة جدول زمني لسحب القوات الأميركية من العراق في المشروع ذاته.

إن مشروع القانون الخاص بتمويل الحرب في العراق وأفغانستان سيكون مثيرا للجدل بين الأطراف كلها، ولكنه يحتوي على بند مهم للغاية يتعلق بوجود اتفاق بين الولايات المتحدة والعراق على تقييم المستوى العام للقوات الأميركية في المستقبل ما يتطلب موافقة أعضاء الكونغرس عليه، وبحلول يناير عام 2013 ستكون الولايات المتحدة مضطرة إلى إعادة معظم جنودها الأميركيين، ولكن مَنْ يعلم ما سيحدث لقواتها العسكرية والمدنية أثناء هذه المدة المتبقية، هل ستواجه قواتها بحرب أهلية جديدة، أم ان تنظيم «القاعدة» اختفى دوره الإرهابي أيضاً في العراق.

نعم قد تكون سياسة بقاء القوات الأميركية أو رحيلها في أسرع وقت المادة المثيرة للجدل من قبل جميع المرشحين أثناء فترة الانتخابات الرئاسية، وهناك خطابات من بعض المرشحين أخذت منحنى آخر نحو التأييد أو المعارضة في مواصلة الحرب في العراق، وهي كوسيلة لجذب الناخبين من جميع الأعمار مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، ولكنها أثارت استياءً متزايداً لدى غالبية الشعب الأميركي، حتى أصبح بعض الناخبين يتساءلون ان كان بقاؤهم في العراق لمدة «مئة عام» كما حدث في كوريا الجنوبية بعد الحرب الكورية، وأثير التساؤل ايضا عما سيحدث من مخاطر يمكن للقوات أن تواجهها في حال انسحابها بسرعة من العراق، الأمر الذي ناقشه معظم الجنود العسكريين والخبراء فأصبح مادة خصبة للحديث لدى معظم مرشحي الرئاسة من ديموقراطيين وجمهوريين، وعلى ضوء هذا الانقسام وهذا الجدل على سحب القوات أو بقائها رحب البعض في مجلس النواب العراقي بقرار الكونغرس الأميركي القاضي بسحب القوات من العراق المحتل نهاية العام المقبل، ووصفوا هذا القرار بأنه قرار صائب وعقلاني، ولكن في الوقت نفسه يوجد خلاف بين بعض النواب على جهوزية القوات العراقية، لأن انسحاب القوات متعددة الجنسيات ايضا مرتبط بمدى استكمال قدرات الجيش العراقي لعملية الانسحاب، فالحكومة العراقية ترى أنه من الأفضل أن يكون العام الحالي الأخير الذي تجدد فيه اتفاقية تواجد القوات الأجنبية في البلاد، وانه من دون تحديد سقف زمني واضح لتواجد القوات الأجنبية في العراق لا يمكن للحكومة أن تكون قادرة على السيطرة بمجريات الملف الأمني والدفاعي في العراق، والقوات العراقية بحاجة إلى تنمية قدراتها الدفاعية عن طريق عقد صفقات الأسلحة الثقيلة كالطائرات والمدرعات ذات تكنولوجيا عالية، بالإضافة إلى تطوير الأجهزة الأمنية في الداخل، والأهم من ذلك كشف الفساد الإداري والمالي بين القطاعات والمؤسسات.

وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ان التزام الإدارة الأميركية تجاه العراق لم يتغير وآن الأوان للعراق ليواجه التحديات والصعوبات لضمان تحقيق الاستقرار والأمن والتركيز على تحقيق التنمية لضمان مستقبل واعد للشعب العراقي، وقد جاءت تصريحاته عقب موافقة مجلس النواب الأميركي أخيراً على منح الادارة الأميركية المزيد من مليارات الدولارات لتمويل العمليات العسكرية في العراق وموافقته ايضا على مشروع لسحب القوات الأميركية من العراق بحلول شهر ديسمبر 2009.

وفي الخلاصة، نريد القول إن المواقف الأميركية تجاه وضع القوات في العراق تتبدل وتتعدل مع اقتراب موعد الحسم الرئاسي للولايات المتحدة، كما نرى أن الجمهوريين والديموقراطيين ينفون تقارب مواقفهم على السياسة الأميركية تجاه العراق، خصوصا في نوعية التكتيك الذي يجب اتباعه حيال الانسحاب، وقد يتوسع الخلاف والانقسام أكثر بين هؤلاء المرشحين في سبيل إرضاء الناخب الأميركي واقناعه.

ولكن يبقى السؤال: هل المرشح باراك أوباما وهيلاري كلينتون وجون ماكين وغيرهم قادرون على وضع خطة مرضية لإنهاء فترة الحرب في العراق، وإعادة الجزء الأكبر من الجنود الأميركيين من هناك، في حال فوز أحدهم بمقعد الرئاسة؟ أم ان خطاباتهم الحالية «الرنانة» ما هي إلا فقاعات هواء يسعون من ورائها إلى جمع أكبر عدد من الأصوات من الحزبين للمرور بنجاح؟

الساعة تدور والزمن يحسب... ولا أحد يعلم بالنتيجة؟ ولكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي