علي محمد الفيروز / إطلالة / أزمة الغذاء... «التسونامي الصامت»

تصغير
تكبير

لقد تحدثت في مقالة سابقة عن خطورة الاوضاع الغذائية في المستقبل، والتي تحولت إلى ازمة حقيقية للعالم او ما يسمى «تسونامي صامت»، حسب ما لقبته هيئة الامم المتحدة، نظرا إلى ما سيواجه البشر في العالم من فقر مقبل ان استمر الارتفاع الجنوني وغير المسبوق لاسعار الغذاء، فجميعنا قد يغض الطرف عن اسعار السلع الغذائية المرتفعة الاخرى غير الضرورية، إلا ان الارز والقمح والسكر والزيت والحليب من المواد الغذائية  الرئيسية للانسان التي لا غنى عنها، ولكن اخذت اسعارها تتصاعد بشكل جنوني ملحوظ في الاسواق الاسيوية والاوروبية حتى بلغت ارقاما قياسية! اما الحكومات فغير جادة في الحد من زيادة الاسعار مع وجود مخاوف لدى بعض الدول المستوردة للسلع الاساسية في ان تطبق قرارات جديدة من شأنها حظر تصدير هذه السلع كالارز والقمح وغيرها، وهو ما يؤدي الى زيادة الطلب عليها، وإلا ما تفسير سعر الارز الخام عندما يصل إلى 24 دولارا و75 سنتا لكل مئة رطل وهو سعر قياسي لم تشهده الاسواق العالمية ويذكر ان سعر الارز في السوق الدولي ارتفع بمعدل 68 في المئة منذ بداية العام الحالي، وهذا يعتبر «زيادة مفتعلة»، وقد وضعت الهند والفيتنام حظرا موقتا في الأونة الاخيرة على تصدير انتاجهما من الارز كخطوة لحماية محاصيلهما الضرورية، كما ان تايلند والفيليبين بدأتا تحذوان حذو الآخرين، خصوصا في عملية التخزين، فأزمة محصول الارز اجبرت بعض الدول المتضررة على اخذ احتياطاتها عن طريق التخزين في المستودعات الكبيرة، وذلك لتأمين احتياجات شعوبها.

تصف الامم المتحدة الازمة الغذائية الحالية التي يمر بها العالم بـ«تسونامي صامت» لاحتمال مواجهة مئة مليون اضافيين من البشر للفقر المدقع بسبب الارتفاع الجنوني لاسعار المواد الغذائية، والتي اصبحت تهدد كل انسان على وجه الارض، فهناك خبراء اقتصاديون يقولون: «قد يأتي اليوم الذي نجد فيه المال الكثير، ولكننا لا نجد الغذاء الوفير»، وتقول السيدة جوزيت شيران مسؤولة برنامج الغذاء العالمي التابع للمنظمة الدولية «ان هذا الارتفاع للغذاء هو الوجه الجديد للمجاعة»، فالبحوث والدراسات التي بحوزتها تفيد ان ملايين البشر الذين لم يكونوا يصنفون ضمن خانة الجياع قبل ستة اشهر فقط، اصبحوا الان يعانون من الجوع!

هناك دول اسيوية تحاول الحفاظ على انتاجها من الارز حتى وان ازداد الطلب عليها عن طريق تخصيص المزيد من الاراضي الزراعية لزيادة الانتاج ولمواجهة الطلب المتزايد ايضا، في حين ان هناك دولا لاتينية تعهدت بتأسيس صندوق بقيمة مئة مليون دولار لانتاج المزيد من المواد الغذائية في المستقبل، هذا بالاضافة إلى دعم اسعار السلع الاساسية كالارز والقمح والزيت والطحين وغيرها في محاولة منها لمواجهة تسونامي الاسعار! وعلى ضوء هذه الطفرة شهدت دول عربية واسلامية اضطرابات ومظاهرات شعبية بسبب ارتفاع اسعار المواد الغذائية الاساسية، الامر الذي يهدد استقرار العديد من الدول النامية في العالم، اذا فكيف تكون الحال لدول ذات كثافة سكانية عالية ليست لديها الوفرة المالية؟ لاشك ان غلاء المواد الغذائية وسط زمن العولمة والتطور سيدمر المساعي المبذولة لمكافحة الفقر في العالمين العربي والغربي، وسيواجه العالم مشكلات اخرى تتبع الفقر والجوع والتشرد... اذا اين الخطط والدراسات المبذولة للحفاظ على التوازن في الغذاء والتنمية الزراعية والتجارية بين الدول، ناهيك عن وضع الاقتصاد؟

ان حكومتي الهند وباكستان كانتا تنويان العمل على تطبيق حظر تصدير الارز لمستوردي الارز في الخليج، وقد فاجأتا الدول المستوردة بحظرهما تصدير جميع انواع الارز، وتشديدهما القيود في الفترة الماضية ناتج من ايمانهما بكبح جماح الاسعار لديهما، ولكنهما علقتا قرار حظر التصدير بعد ان واجهتا ضغوطا كبيرة من الدول المستوردة، بعد ان ارتفعت اصوات تجار الارز للطريقة التي تتبعها هاتان الحكومتان والتي ساعدت على تضرر التجار في البلدين ماديا بسبب التزاماتهم المالية واضطرارهم تسديد قروض طويلة الاجل، ولم يقتصر ذلك على هذا الحد، بل ازداد عدد طلبات الموردين لشراء كميات كبيرة من الارز لتلافي حدوث ازمة عرض في الاسواق العالمية، الامر الذي اعطى الفرصة الذهبية للدول المنتجة في ان تتلاعب باسعار تصدير الارز بشكل يفوق التصور، وقد لاحظنا هذا التفاوت من خلال العروض الموجودة في الاسعار بالجمعيات والاسواق المحلية، إلا ان التقليل من تصدير الارز للخارج مازال قيد الحسبان، وذلك لاحتفاظ الدول المنتجة بمخزونات اضافية بناء على خطة استراتيجية للاحتياط، في حين ان بعض الشعوب التي تعتبر محصول الارز مصدرا رئيسيا للغذاء طالبت حكوماتها بالعمل على زيادة الدعم الكافي، اي ان تكون تلك الامدادات عن طريق جهة حكومية رقابية حتى تستطيع التغلب على الغلاء والتضخم في الاسواق الدولية.

هناك تقارير دولية تفيد ان اسعار القمح بدأت في التراجع بالاسواق العالمية، فشهدت انخفاضا ملحوظا، وربما يأتي ذلك بسبب قدوم موسم الحصاد لهذا العام، بعد ان حققت ايضا ارقاما قياسية خلال الاشهر الماضية، وفي الوقت نفسه يرى المتابعون والباحثون ان هذا الهبوط المفاجئ للاسعار قد يساعد على التخفيف من حدة اسعار المواد الغذائية الاخرى، خصوصا الارز إلا ان البعض منهم يعتقد بأن تصاعد المحاصيل الغذائية الاخرى واستقرارها قد يكون ناتجا عن سوء الاحوال الجوية التي ضربت معظم المحاصيل الزراعية في العالم، خصوصا دول آسيا  ما اثر على الدول المصدرة للمحاصيل تأثيرا سلبيا، ناهيك عن فرض قيود جديدة للمتاجرة حتى تسيطر السلطات المعنية على عملية التضخم، اذ يتوقع المجلس الدولي للحبوب ان يحقق الموسم الحالي والموسم المقبل رقما قياسيا جديدا لمحصول الحبوب الضرورية، ما يعطي ذلك حافزا قويا للمزارعين واصحاب الشأن في البحث عن المزيد من الاراضي الزراعية، وبالتالي ينعكس ذلك على حصول المزيد من الحصاد الغذائي وكسب المزيد من الارباح للدول المصدرة.

وفي اطار تصاعد اسعار المواد الغذائية في العالم اعتبر مبعوث الامم المتحدة المكلف في شؤون الغذاء السيد جان زيغلر ان ارتفاع اسعار مواد الغذاء بين حين واخر سيؤدي الى وقوع «مذبحة حقيقية» لذلك اتهم زيغلر العولمة وسياسة احتكار الثراء في الارض بأنهما السببان وراء انتشار الغلاء الفاحش في العالم، وقال «ان الوقود الحيوي هو الذي يحرم الملايين من البشر من وجود قوتهم اليومي في العالم، وهو ما يعد جريمة ضد الانسانية». ولكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز


كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي