محمد العوضي / خواطر قلم / آينشتاين... والعفاسي... والطيران الكويتي!

تصغير
تكبير

كان الاستاذ عبدالحميد البسيوني رحمه الله، وهو من أصدقاء العقاد الذين لازموه حتى وفاته، كان يقول ان لعباس العقاد رغم صغره إلا أنه عميق وفيه ما لا يوجد في تراثه الموسوعي، له كتاب «اللغة الشاعرة». وقرأنا الكتاب وأعجبني فيه روح الثقة التي كان يناقش فيها العقاد المستشرقين ويسرد أغاليطهم حول اللغة والقرآن والتاريخ. لكن أهم الموضوعات التي شدتني في كتابه مقاله المعمق تحت عنوان «الزمن في اللغة العربية». إذ الإحساس بالزمن والاهتمام بتفاصيله وأهميته أحد أهم عناصر الاجتماع والتحضر البشري، ومقاله مقارنة بين الأفعال في اللغتين الانكليزية والعربية، واستطاع العقاد بتحليله التطبيقي أن يرجح دلالات اللغة العربية على اللغة الإنكليزية... ذكرت هذه المقالة الرائعة بسبب ليس رائعاً! كنت أول من أمس السبت أنا والشيخ مشاري العفاسي والفريق الذي معنا في مدينة جدة ليومين وبعد الانتهاء من مشاركتنا فيها بنشاطات في مجمع الصيرفي ميجامو ومجمع روشان مول التجاريين، وبما أن الخبر منشور على صدر الصفحة الأولى لبعض الجرائد السعودية (عكاظ)، فقد استعلم بذلك قنصل الكويت في جدة الأخ علي الهيفي أبو سلمان، فأصر ان نتغدى عنده السبت ثم نقلع الساعة الخامسة من مطار جدة إلى الكويت، كنا فريقين من الكويت أنا وفريق ركاز والعفاسي وفريق قناته الفضائية، أما من أهل جدة فكانت شركة «عين» الإعلامية وبصحبتهم الجسيس فيصل اللبان - والجسيس بلغة أهل الحجاز منشد المقامات الحجازية في الحفلات. ورجل آخر هو صديق القنصلية الأصيل منذ القنصل المحيطيب إلى الهيفي إنه أبو نفال حسام القحطاني. جلسة رائعة وأبو سلمان الهيفي كإخوانه السابقين مواجيب وكرم وأصالة، استثمرت وجود فيصل اللبان فطلبت منه ان يسمعني، مقاطع ومولات حجازية ودار حولها حوار جميل في جلسة رائعة سجل منها مقاطع اولاد القنصل براك وهيفي لم تزد الجلسة على ساعة ونصف الساعة لندرك الطيران فقطعنا المتعة الحلال في حضرة أبو سلمان الهيفي وضيوفه والطرب المباح.

باختصار دون تفاصيل الاكتئاب والملل والحالة المحزنة التي أصابتنا وعكرت علينا جلسة القنصلية فبدلاً من ان تقلع الطائرة في الخامسة عصراً طارت الساعة التاسعة والعشرين دقيقة يعني وصلنا بيوتنا الساعة (12) ليلاً... أين قيمة الزمن؟ أين الشعور بالزمن؟ شكراً للعقاد عندما كشف لنا عن مكانة الزمن التفصيلية والتعبيرية في لغتنا، ولكن الغرب تعامل مع الزمن كعنصر من عناصر النهضة ونحن وقفنا عند البلاغة اللفظية!

ما نطلبه من الخطوط الجوية الكويتية  في عصر توافر التواصل اللحظي والسريع مع العملاء أن نرسل رسالة عن تأخر الطائرة كي لا نعيش في الربكة والملل وقتل الزمن العزيز علينا جميعاً. إلا على الخطوط الكويتية... لو كان تأخر الطائرة الكويتية أمراً عارضاً لسكتنا لكن وصلت الحال ان التأخر صار سمة لها، بل ان الناس اصيبوا باليأس حتى قال لي بعض المسافرين سواء كتبت أم لم تكتب لن ينصلح الوضع ولن يتغير شيء فقد كتب وتكلم غيرك كثيراً.

والسؤال المهم لماذا تأخرت الكويتية خمس ساعات؟ علمت ان الهيدروليك كان يسرب زيتا فاحتاجوا إلى تبديله، ثم بدلوا المبدل فأقلعت متأخرة، يقول لي موظف في الكويتية كان بإمكان المهندسين اصلاح الخلل مبكراً لأن الطائرة موجودة على أرض الكويت لساعات طويلة ولكن... ولك ان تتخيل ماذا يمكن ان يقال بعد كلمة ولكن من انهيار إداري أو فني او تنظيمي أو... أو... عن هذه المؤسسة!

لاحظت بهدلة العفاسي في المطار لأنه اعتمر خارجاً من جدة الواحدة ليلة السبت وعاد بعد السادسة صباحاً ثم الاستعداد للعزومة ثم المطار فداخ أكثر من مرة ونام في الطائرة وكان بجوارنا لأنه لو كان نشيطاً لأمتعنا بصوته فالزمن ذو وجود نسبي اعتباري يطول ويقصر حسب الاحساس به والصوت الجميل يحقق ذلك، كان بجواري في الطائرة الدكتور عبدالله نصيف ضيف الكويت وكان على باب الطائرة مطلق القراوي الوكيل المساعد بالأوقاف يستقبل نصيف وتلخبط جدول الاجتماعات. يذكر العقاد في كتابه عالم السدود والقيود وهو يدون خواطره في سجنه السياسي بأن السجناء ينزعون الساعات من أيديهم كي لا يشعروا بالزمن البطيء القاتل... كحيلة نفسية لدفع اليأس، لكن الساعات صارت على الجدران وفي الموبايلات فغرق المسافرون باليأس من خطوطهم الجوية... يعتبر آينشتاين من أكبر العقول العلمية في تاريخ البشرية وقصة فهمه للزمن وأنه ذو بعد رابع خلخلت التفكير البشري وطورته... ومن أهم مزايا هذا العقل الزمني هو الاعتراف بالخطأ فعندما وجه اليه الفيزيائي الرياضي فريدمان الذي اكتشف قبل هَبِل بسبع سنوات أن الكون يتمدد ويتسع... عندما وجه نقداً لآينشتاين بأنه خرج من بعض مقرراته العلمية على النسبية العامة وأخطأ... اعترف آينشتاين بخطئه بتواضع. لأنه عالم... فهل ستعترف الخطوط الكويتية بخطئها ثم تصلح خرابها.


محمد العوضي

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي